← المكتبة ▭▭ صفحتان
إحياء علوم الدين - الغزالي - ط المعرفة
محمد بن محمد الغزالي أبو حامد الرقاق والآداب والأذكار
A− A+
22
العلم العينى เ ۲۱ وأما ما يذم ، فخوف الفقر ، وسخط المقدور ، والغل ، والحقد والحسد ، والغش ، وطلب العلو ، وحب الثناء ، وحب طول البقاء في الدنيا للتمتع ، والكبر، والرياء ، والغضب ، والأنفة ، والعداوة ، والبغضاء والطمع ، والبخل ، والرغبة ، والبذخ ، والأشر ، والبطر ، وتعظيم الأغنياء ، والاستهانة بالفقراء ، والفخر ، والخيلاء ، والتنافس، والمباهاة والاستكبار عن الحق ، والخوض فيما لا يعنى ، وحب كثرة الكلام ، والصلف ، والتزين للخلق ، والمداهنة، والعجب ، والاشتغال عن عيوب النفس بعيوب الناس ، وزوال الحزن من القلب ، وخروج الخشية منه ، وشدّة الانتصار للنفس إذا نالها الذل ، وضعف الانتصار للحق ، واتخاذ إخوان العلابية على عداوة السر ، والأمن من مكر الله سبحانه وتعالى في سلب ما أعطى ، والاتكال على الطاعة ، والمكر ، والخيانة ، والمحادعة وطول الأمل ، والقسوة ، والفلماظة ، والفرح بالدنيا والأسف على فراتها ، والأنس بالمحلوقين والوحشة لفراقهم والجفاء ، والطيش ، والعجلة ، وقلة الحياء ، وقلة الرحمة ، فهـده وأمثالها من صفات القلب مفارس الفواحش ومنابت الأعمال المحظورة . وأضدادها - وهى الاخلاق المحمودة - منبع الطاعات والقربات ، فالعلم بحدود هذه الأمور وحقائقها وأسبابها وثمراتها وعلاجها هو علم الآخرة ، وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة ، فالمعرض عنها هالك بسطوة ملك الملوك فى الآخرة ، كما أنّ المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا ، فنظر الفقهاء فى فروض العين بالإضافة إلى صلاح الدنيا ، وهذا نالإضافة إلى صلاح الآخرة . ولو سئل فقيه عن معنى من هذه المعانى حتى عن الإخلاص مثلا أو عن التوكل أو عن وجه الاحتراز عن الرياء لتوقف فيه مع أنه فرض عينه الذى فى إهماله ملاكه في الآخرة ، ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق والرمى لسرد عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التى تنقضى الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها ، وإن احتيج لم تخل البلد عمن يقوم بها ويكفيه مؤنة التعب فيها ، فلا يزال يتعب فيها ليلا ونهاراً وفى حفظه ودرسه يغفل عما هو مهم فى نفسه فى الدين ، وإذا روجع فيه قال : اشتغلت به لأنه علم الدين وفرض الكفاية ويلبس على نفسه وعلى غيره في تعلمه ، والفطن يعلم أنه لو كان غرضه أداء حتى الأمر في فرض الكفاية لقدم عليه فرض العين ، بل قدم عليه كثيراً من فروض الكفايات ؛ فكم من بلدة ليس فيها طبيب إلا من أهل الذمة ولا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلتى بالأطباء من أحكام الفقه ، ثم لا نرى أحداً يشتغل به ، ويتهاترون على علم H الفقه لاسيما الخلافيات والجدليات والبلد مشحون من الفقهاء بمن يشتغل بالفتوى والجواب عن الوقائع ؛ فليت شعرى كيف يرخص فقهاء الدين في الاشتغال فرض كفاية قد قام به جماعة وإهمال ما لا قائم به ؟ هل لهذا سبب إلا أن الطلب ليس يتيسر الوصول به إلى تولى الأوقاف والوصايا وحيازة مال الاينام وتقلد القضاء والحكومة والتقدم به على الأفران والتسلط به على الأعداء ؟ هيهات هيهات، قد اندرس علم الدين بتلبيس العلماء السوء ؛ فالله تعالى المستعان وإليه الملاذ فى أن يعيذنا من هذا الغرور الذى يسخط الرحمن ويضحك الشيطان ، وقد كان أهل الورع من علماء الظاهر مقرين بفضل علماء الباطن وأرباب القلوب : كان الإمام الشافعي رضى الله عنه يجلس بين يدى شيبان الراعى كما يقعد الصبي في المكتب ويسأله : كيف يفعل فى كذا وكذا ؟ فيقال له : مثلك يسأل هذا البدوى ؟ فيقول : إنّ هذا وفق لما أغفلناه . وكان أحمد بن حنبل رضى الله عنه ويحي بن معين يختلفان إلى معروف الكرسي ولم يكن في علم الظاهر بمنزلتهما وكانا يسألانه ، وكيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما قيل له كيف نفعل إذا جاءنا أمر لم نجده في كتاب ولا سنة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم د سلوا الصالحين واجعلوه شورى .