← المكتبة ▭▭ صفحتان
إحياء علوم الدين - الغزالي - ط المعرفة
محمد بن محمد الغزالي أبو حامد الرقاق والآداب والأذكار
A− A+
21
علم المعاملة المذمومة ، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها فيتوهم لها معانى مجملة غير متضحة ، فتتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه ، وبصفاته الباقيات التامات ، وبأفعاله ، وبحكمه في خلق الدنيا والآخرة ، ووجه ترتيبه للآخرة على الدنيا ، والمعرفة بمعنى البوة والنبي، ومعنى الوحى ، ومعنى الشيطان، ومعنى لفظ الملائكة والشياطين ، وكيفية معاداة الشياطين للإنسان ، وكيفية ظهور الملك للأنبياء ، وكيفية وصول الوحى إليهم ، والمعرفة بملكوت السموات والأرض ، ومعرفة القلب وكيفية تصادم جنود الملائكة والشياطين فيه، ومعرفة الفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان ، ومعرفة الآخرة والجنة والنار وعداب القبر والصراط والميزان والحساب ، ومعنى قوله تعالى ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) ومعنى قوله تعالى ( وإن الدار الآخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون ) ومعنى لقاء الله عز وجل والنظر إلى وجهه الكريم ومعنى القرب منه والنزول في جواره ، و معنى حصول السعادة بمرافقة الملأ الأعلى ومقارنة الملائكة والنبيين ، ومعنى تفاوت درجات أهل الجنان حتى يرى بعضهم البعض كما يرى الكوكب الدرى فى جوف السماء إلى غير ذلك مما يطول تفصيله ، إذ للناس في معانى هذه الأمور بعد التصديق بأصولها مقامات شتى ، فبعضهم يرى أن جميع ذلك أمثلة وأن الذى أعده الله لعباده الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وأنه ليس مع الخلق من الجنة ، إلا الصفات والأسماء . وبعضهم يرى أن بعضها أمثلة وبعضها يوافق حقائقها المفهومة من ألفاظها ، وكذا يرى بعضهم أن منتهى معرفة الله عز وجل الاعتراف بالمجر عن معرفته ، وبعضهم يدعى أموراً عظيمة في المعرفة بالله عز وجل ، وبعضهم يقول حد معرفة الله عز وجل ما انتهى إليه اعتقاد جميع العوام : وهو أنه موجود عالم قادر سميع بصير متكلم ، فنعنى بعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء حتى تتضح له جلية الحق في هذه الأمور اتضاحا يجرى مجرى العيان الذى لا يشك فيه ، وهذا ممكن في جوهر الإنسان لولا ان مرآة القلب قد تراكم صدقها وخبثها بقاذورات الدنيا ، وإنما نعنى بعلم طريق الآخرة : العلم بكيفية تصقيل هذه المرأة عن هذه الخبائث التى هى الحجاب عن الله سبحانه وتعالى وعن معرفة صفاته وأفعاله ، وإنما تصفيتها وتطهيرها بالكف عن الشهوات والاقتداء بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في جميع أحوالهم ، فبقدر ما ينجلى من القلب ويحاذى به شطر الحق يتلا لا فيه حقائقه ، ولا سبيل إليه إلا بالرياضة التي يأتي تفصيلها في موضعها ، وبالعلم والتعليم ، وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب ولا يتحدّث بها من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله ، وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة ، وبطريق الأسرار ، وهذا هو العلم الخفى الذى أراده صلى الله عليه وسلم بقوله د إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله تعالى ، فاذا نطقوا به لم يجهله إلا أهل الاغترار بالله تعالى فلا تحقروا عالما آتاه الله تعالى علما منه ، فان الله عز وحل لم يحقره إذ آتاه إياه (١) ، وأما القسم الثاني : وهو علم المعاملة ، فهو علم أحوال القلب : أما ما يحمد منها فكالصبر ، والشكر ، والخوف ؛ والرجاء ، والرضا ، والزهد ، والتقوى ، والقناعة ، والسحاء ، ومعرفة المنة لله تعالى فى جميع الأحوال، والإحسان ، وحسن الظن وحسن الخلق ، وحسن المعاشرة ، والصدق والإخلاص، فمعرفة حقائق هذه الأحوال وحدودها وأسبابها التي بها تكتسب وثمرتها وعلامتها ومعالجة ما صعف منها حتى يقوى وما زال حتى يعود من علم الآخرة ، ( (۱) حديث و إن من العلم كهيئة المسكنون ... الحديث » رواه أبو عبد الرحمن السلمي في الأرسين له في التصوف من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف . 6