← المكتبة ▭▭ صفحتان
إحياء علوم الدين - الغزالي - ط المعرفة
محمد بن محمد الغزالي أبو حامد الرقاق والآداب والأذكار
A− A+
20
علم المكاشفة ۱۹ المتقين وهو ترك الحلال المحض الذى يخاف منه أداؤه إلى الحرام . قال صلى الله عليه وسلم « لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة مما به بأس (۱) ، وذلك مثل التورع عن التحدث بأحوال الناس خيفة من الانجرار إلى الغيبة ، والتوزع عن أكل الشهوات خيفة من هيجان النشاط والبطر المؤدى إلى متعارفة المحظورات ( الرابعة ) ورع الصدّيقين وهو الإعراض عما سوى الله تعالى خوفا من صرف ساعة من العمر إلى مالا يفيد زيادة قرب عند الله عز وجل وإن كان يعلم ويتحقق أنه لا يفضى إلى حرام ، فهذه الدرجات كلها خارجة عن نظر الفقيه إلا الدرجة الأولى : وهو ورع الشهود والقضاء وما يقدح في العدالة والقيام بذلك لا ينفى الإثم في الآخرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوابصة, استنت قلبك وإن أفتوك وإن أفترك وإن أفتوك (۳) ، والفقيه لا يتكلم فى حزازات القلوب وكيفية العمل بها بل فيما يقدح في العدالة فقط ، فان جميع نظر الفقيه مرتبط بالدنيا التي بها صلاح طريق الآخرة ، فان تكلم في شيء من صفات القلب وأحكام الآخرة فذلك يدخل في كلامه على سبيل التطفل كما قد يدخل في كلامه شيء من الطب والحساب والنجوم وعلم الكلام ، وكما تدخل الحكمة في النحو والشعر . وكان سفيان الثورى وهو إمام فى علم الظاهر يقول : إن طلب هذا ليس من زاد الآخرة ، كيف وقد اتفقوا على أن الشرف في العلم العمل به فكيف يظن أنه علم الظهار واللعان والسلم والإجارة والصرف ، ومن تعلم هذه الأمور ليتقرب بها إلى الله تعالى فهو مجنون ، وإنما العمل بالقلب والجوارح في الطاعات ، والشرف هو تلك الأعمال . فان قلت : لم سويت بين الفقه والطب إذ الطب أيضا يتعلق بالدنيا وهو صحة الجسد وذلك يتعلق به أيضا صلاح الدين ، وهذه القسوية تخالف إجماع المسلمين ؟ فاعلم أن التسوية غير لازمة بل بينهما فرق ، وأن الفقه أشرف منه من ثلاثة أوجه ( أحدها ) أنه علم شرعى إذ هو مستفاد من النبوة ، بخلاف الطب فانه ليس من علم الشرع ( والثاني ) أنه لا يستغنى عنه أحد من سالكي طريق الآخرة ألبتة لا الصحيح ولا المريض . واما الطب فلا يحتاج إليه إلا المرضى وهم الأفلون (والثالث) أن علم الفقه مجاور اعلم طريق الآخرة لأنه نظر في أعمال الجوارح ، ومصدر أعمال الجوارح ومنشؤها صفات القلوب ، فالمحمود من الأعمال يصدر عن الأخلاق المحمودة المنجية في الآخرة ، والمذموم يصدر من المذموم ، وليس يخفي اتصال الجوارح بالقلب . وأما الصحة والمرض فمنشؤهما صفاء في المزاج والأخلاط وذلك من أوصاف البدن لامن أوصاف القلب ، فهما أضيف الفقه إلى الطب ظهر شرفه ، وإذا أضيف علم طريق الآخرة إلى الفقه ظهر أيضا شرف علم طريق الآخرة . فان قلت : فصل لى علم طريق الآخرة تفصيلا يشير إلى تراجمه وإن لم يمكن استقصاء تفاصيله . فاعلم أنه قسمان : علم مكاشفة وعلم معاملة، فالقسم الأول علم المكاشفة وهو علم الباطن وذلك غاية العلوم ، فقد قال بعض العارفين : من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف سوء الخاتمة ، وأدنى نصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله . وقال آخر : من كان فيه خصلتان لم يفتح له بشيء من هذا العلم : بدعة ، أو كبر . وقيل : من كان محبا للدنيا أو مصراً على هوى لم يتحقق به وقد يتحقق بسائر العلوم، وأقل عقوبة من ينكره أنه لا يذوق منه شيئا وينشد على قوله : عليه * وارض لمن غاب عنك غيبته فذاك ذنب عقابه فيه وهو علم الصديقين والمقربين ، أعنى علم المكاشفة فهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته (1) حديث « لا يكون الرجل من المتدين حتى يدع ما لا بأس به .. الحديث ، أخرجه الترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث عطية السعدي (۲) حديث « استلمت قلبك وإن أفتوك » أخرجه أحمد من حديث وابصة .