← المكتبة ▭▭ صفحتان
إحياء علوم الدين - الغزالي - ط المعرفة
محمد بن محمد الغزالي أبو حامد الرقاق والآداب والأذكار
A− A+
19
۱۸ العلم الكفائي أو متكلف (1) فالأمير هو الإمام وقد كانوا هم المفتون ، والمأمور ،نائبه، والمتكلف غيرهما : وهو الذى يتقلد تلك العهدة من غير حاجة . وقد كان الصحابة رضى الله عنهم يحترزون عن الفتوى ، حتى كان يحيل كل منهم على صاحبه ، وكانوا لا يحترزون إذا سئلوا عن علم القرآن وطريق الآخرة . وفى بعض الروايات بدل المتكلف : المراثي ؛ فإن من تقلد خطر الفتوى وهو غير متعين للحاجة فلا يقصد به إلا طلب الحاه والمال . فإن قلت : هذا إن استقام لك في أحكام الجراحات والحدود والغرامات وفصل الخصومات ، فلا يستقيم فيما يشتمل عليه ربع العبادات من الصيام والصلاة ولا فيما يشتمل عليه ربع العادات من المعاملات من بيان الحلال والحرام ، فاعلم أن أقرب ما يتكلم الفقيه فيه من الأعمال التى هى أعمال الآخرة ثلاثة : الإسلام والصلاة والزكاة والحلال والحرام ؛ فإذا تأملت منتهى نظر الفقيه فيها علمت أنه لا يجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة ، وإذا عرفت هذا في هذه الثلاثة فهو في غيرها أظهر . أما الإسلام فيتكلم الفقيه فيما يصح منه وفيما يفسد وفي شروطه وليس يلتفت فيه إلا إلى اللسان . وأما القلب فخارج عن ولاية الفقيه لعزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرباب السيوف والسلطنة عنه حيث قال « هلا شققت عن قلبه ؟ (۲) الذى قتل من تكلم بكلمة الإسلام معتذرا بأنه قال ذلك من خوف السيف ، بل يحكم الفقيه بصحة الإسلام تحت ظلال السيوف ، مع أنه يعلم أن السيف لم يكشف له عن نيته ولم يدفع عن قلبه غشاوة الجهل والحيرة ، ولكنه مشير على صاحب السيف فإن السيف ممتد إلى رقبته واليد ممتدة إلى ماله وهذه الكلمة باللسان تعصم رقبته وماله مادام له رقبة ومال ، وذلك في الدنيا ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم امرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها فقد عصموا منى دماءهم وأموالهم (۳). جعل أثر ذلك فى الدم والمان. وأما الآخرة فلا نتمع فيها الأموال بل أنوار القلوب وأسرارها وإخلاصها ، وليس ذلك من الفقه ، وإن خاض الفقيه فيه كان كما لو خاص في الكلام والطب وكان خارجا عن فنه . وأما الصلاة فالفقيه يفتى بالصحة إذا أتى بصورة الأعمال مع ظاهر الشروط وإن كان غافلا في جميع صلاته من أولها إلى آخرها مشغولا بالتفكير في حساب معاملاته في السوق الاعند التكبير ، وهذه الصلاة لا تنفع في الآخرة ، كما أن القول باللسان في الإسلام لا ينفع، ولكن الفقيه يفتى بالصحة أى أن ما فعله حصل به امتثال صيغة الأمر وانقطع به عنه القتل والتعزير ، فأما الخشوع وإحضار القلب الذي هو عمل الآخرة و به ينفع العمل الظاهر لا يتعرض له الفقيه ولو تعرص له لكان خارجا عن فنه ، وأما الزكاة فالفقيه ينظر إلى ما يقطع به مطالبة السلطان حتى إنه إذا امتنع عن أدائها فأحذها السلطان قهرا حكم بأنه برئت ذمته . وحكى أن أبا يوسف القاضي كان يهب ماله لزوجته آخر الحول ويستوهب مالها إسقاطا للزكاة ، فحكى ذلك لأبي حنيفة رحمه الله فقال ذلك من فقهه . وصدق فإن ذلك من فقه الدنيا ولكن مضرته فى الآخرة أعظم من كل جناية ، ومثل هذا هو العلم الضار . وأما الحلال والحرام فالورع عن الحرام من الدين ، ولكن الورع له أربع مراتب ( الأولى ) الورع الذى يشترط في عدالة الشهادة : وهو الذى يخرج بتركه الإنسان عن أهلية الشهادة والقضاء والولاية ومو الاحتراز عن الحرام الماهر ( الثانية ) ورع الصالحين : وهو التوقى من الشبهات التي يتقابل فيها الاحتمالات . قال صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى مالا يريبك (٤) ، وقال صلى الله عليه وسلم ( الإسم حزاز القلوب (٥) ، ( الثالثة ) ورع > (۱) حدیث « لا يفتى الناس إلا ثلاثة ه لا يقس على الناس ، وإسناده حسن · ... بی رید الحديث » أخرجه ابن ماجه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن حده الفط (۲) حديث « هلا شققت عن قلبه » أخرجه مسلم من حديث أسامة (۳) حديث ( أمرت أن أقاتلي الماس حتى يقولوا لا إله إلا الله . . الحديث » متفق عليه من حديث أبي هريرة وعمر وابن عمر (1) حدیث ( دع ما يريك إلى مالا يريبك أخرجه الترمذي وصححه والنسائي وابن جان من حديث الحسن بن على (ه) حدیث « الأم حزاز القلوب » أخرجه البيهقى فى شعب الايمان من حديث ابن مسعود ، ورواه العدني في مسده موقوفا عليه