18
العلم الكفائي
۱۷
وهدا على ضربين : أحدهما : يتعلق بمصالح الدنيا ويحويه كتب الفقه والمتكفل به الفقهاء وهم علماء الدنيا . والثاني : ما يتعلق بمصالح الآخرة وهو علم أحوال القلب وأخلاقه المحمودة والمذمومة وما هو مرضى عند الله تعالى ، وماهو مكروه وهو الذي يحويه الشطر الأخير من هذا الكتاب ، أعنى جملة كتاب إحياء علوم الدين ، ومنه العلم بما يترشح من القلب على الجوارح في عباداتها وعاداتها ، وهو الذى يحويه الشطر الأول من هذا الكتاب . (والضرب الثالث) المقدمات ، وهي التي تجرى منه مجرى الآلات كعلم اللغة والنحو ؛ فإنهما آلة لعلم كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وليست اللغة والنحو من العلوم الشرعية فى أنفسهما ، ولكن يلزم الخوض فيهما بسبب الشرع إذ جاءت هذه الشريعة بلغة العرب وكل شريعة لا تظهر إلا بلغة فيصير تعلم تلك اللغة آلة ومن الآلات علم كتابة الخط إلا أن ذلك ليس ضروريا إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم (۱) أميا . ولو تصور استقلال الحفظ بجميع ما يسمع لاستغنى عن الكتابة ، ولكنه صار يحكم العجز فى الغالب ضروريا (الضرب الرابع) المتمات : وذلك في علم القرآن ؛ فإنه ينقسم إلى ما يتعلق باللفظ كتعلم القراءات ومخارج الحروف وإلى ما يتعلق بالمعنى كالتفسير ؛ فإن اعتماده أيضاً على النقل ، إذ اللغة بمجردها لا تستقل به وإلى ما يتعلق بأحكامه كمعرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والنص والظاهر . وكيفية استعمال البعض منه مع البعض ، وهو العلم الذى يسمى أصول الفقه ويتناول السنة أيضا ، وأما المتمات في الآثار والأخبار فالعلم بالرجال وأسمائهم وأنسابهم وأسماء الصحابة وصفاتهم ، والعلم بالعدالة في الرواة، والعلم بأحوالهم ليميز الضعيف عن القوى ، والعلم بأعمارهم ليميز المرسل عن المسند و كذلك ما يتعلق به ؛ فهذه هي العلوم الشرعية وكلها محمودة بل كلها من فروض الكفايات . فإن قلت . لم ألحقت الفقه بعلم الدنيا ؟ فاعلم أن الله عز وجل أخرج آدم عليه السلام من التراب وأخرج ذريته من سلالة من طين ومن ماء دافق ، فأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام ومنها إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم إلى العرض ثم إلى الجنة أو إلى النار ؛ فهذا مبدرهم وهذا غايتهم وهذه منازلهم. وخلق الدنيا زاداً للمعاد ليتناول منها ما يصلح للتزود ؛ فلو تناولوها بالمعدل لانقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء ولكنهم تناولوها بالشهوات فتولدت منها الخصومات فمست الحاجة إلى سلطان يسوسهم واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به ؛ فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات ؛ فكان الفقيه معلم السلطان و مرشده إلى طرق سياسة الخلق وضبطهم اينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا ، ولعمرى إنه متعلق أيضاً بالدين . لكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا ؛ فإن الدنيا مزرعة الآخرة ، ولا يتم الدين إلا
بالدنيا . والملك والدين توأمان ؛ فالدين أصل والسلطان حارس ، وما لا أصل له فمهدوم ، وما لاحارس له فضائع ، ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان وطريق الضبط في فصل الحكومات بالفقه، وكما أن سياسة الخلق بالسلطنة ليس من علم الدين في الدرجة الأولى ؛ بل هو معين على ما لا يتم الدين إلا به ، فكذلك مسوفة طريق السياسة فمعلوم أن الحج لا يتم إلا ببذرقة تحرس من العرب في الطريق ولكن الحج شيء وسلوك الطريق إلى الحج شيء ثان ، والقيام بالحراسة التي لا يتم الحج الا بها شيء ثالث ، ومعرفة طرق الحراسة رحيلها وقوانينها شيء رابع ، وحاصل فن الفقه معرفة طرق السياسة والحراسة ويدل على ذلك ما روى مسندا. لا يفتى الناس إلا ثلاثة : أمير أو مأمور
(۱) حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمياً : أى لا يحسن الكتابة : أخرجه ابن مردويه في التفسير من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا « أنا محمد البى الأمى ، وفيه ابن لهيعة ، ولان جبان والدارقماني والحاكم والبهي وصححه من حديث ابن مسعود « قولوا اللهم صل على محمد النبى الأمى ، وللبخارى من حديث البراء « وأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب » . - إحياء علوم الدين - ١)
C