← المكتبة ▭▭ صفحتان
إحياء علوم الدين - الغزالي - ط المعرفة
محمد بن محمد الغزالي أبو حامد الرقاق والآداب والأذكار
A− A+
17
١٦ العلم الكافي ينبغي أن يفهم الرسالة التى هو مبلغها : وهو أن من أطاع الله ورسوله فله الجنة ، ومن عصاهما فله النار ، فإذا انتبهت لهذا التدريج علمت أن المذهب الحق هو هذا ، وتحققت أن كل عبد هو في مجارى أحواله في يومه وليلته لا يخلو من وقائع في عبادته ومعاملاته عن تجدد لوازم عليه فيلزمه السؤال عن كل ما يقع له من النوادر ويلزمه المبادرة إلى تعلم ما يتوقع وقوعه على القرب غالبا ؛ فإذا تبين أنه عليه الصلاة والسلام إنما أراد بالعلم المعرف بالألف واللام في قوله صلى الله عليه وسلم ؛ طلب العلم فريضة على كل مسلم ؛ علم العمل الذي هو مشهور الوجوب على المسلمين لاغير ؛ فقد اتضح وجه التدريج ووقت وجوبه ، والله أعلم . بيان العلم الذي هو فرض كفاية أعلم أن الفرض لا يتميز عن غيره إلا بذكر أقسام العلوم والعلوم بالإضافة إلى الغرض الذي نحن بصدده تنقسم إلى شرعية وغير شرعية ؛ وأعنى بالشرعية ما استفيد من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ، ولا يرشد العقل إليه مثل الحساب ، ولا التجربة مثل الطب ، ولا السماع مثل اللغة : فالعلوم التي ليست بشرعية تنقسم إلى ما هو محمود وإلى ما هو مذموم وإلى ما هو مباح ، فالمحمود ما يرتبط به مصالح أمور الدنيا كالطب والحساب وذلك ينقسم إلى ما هو فرض كفاية وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة : أما فرض الكفاية فهو علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب ، إذ هو ضرورى فى حاجة بقاء الأبدان. وكالحساب ؛ فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما . وهذه هي العلوم التى لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد . وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين. فلا يتعجب من قولنا إن الطب والحساب من فروض الكفايات فان أصول الصناعات أيضاً من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والسياسة بل الحجامة والخياطة . فإنه لو خلا البلد من الحجام تسارع البلاك إليهم وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك. فإن الذى أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله وأعد الأسباب لتعاطيه . فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله. وأما ما يعد فضيلة لافريضة فالتعمق فى دقائق الحساب وحقائق الطب وغير ذلك مما يستغنى عنه . ولكنه يفيد زيادة قوة في القدر المحتاج إليه . وأما المذموم فعلم السحر والطلسمات وعلم الشعبذة والتلبيسات . وأما المباح منه فالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها . وتواريخ الأخبار وما يجرى مجراه . . أما العلوم الشرعية وهى المقصودة بالبيان : فهى محمودة كلها ولكن قد يلتبس بها ما ينظن أنها شرعية وتكون مذمومة فتنقسم إلى المحمودة والمذمومة . أما المحمودة فلها أصول وفروع ومقدمات و متمات وهي أربعة أضرب (الضرب الأول) الأصول : وهى أربعة كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله عليه السلام وإجماع الأمة وآثار الصحابة والإجماع أصل من حيث إنه يدل على السنة فهو أصل في الدرجة الثالثة . وكذا الأثر فإنه أيضاً يدل على السنة . لأن الصحابة رضى الله عنهم قد شاهدوا الوحى والتنزيل وأدركوا بقرائن الأحوال ما غاب عن غيرهم عيانه وربما لا تحيط العبارات بما أدرك بالقرائن. فمن هذا الوجه رأى العلماء الاقتداء بهم والتمسك بآثارهم وذلك بشرط مخصوص على وجه مخصوص عند من يراه ولا يليق بيانه هذا الفن الضرب الثانى ( الفروع : وهو مافهم من هذه الأصول لا بموجب ألفاظها بل بمعان تنبه لها العقول فاتسع بسببها الفهم حتى فهم من اللفظ الملفوظ به غيره كما فهم من قوله عليه السلام : لا يقضى القاضى وهو غضبان (۱) ، أنه لا يقضى إذا كان خائفاً أو جائعاً أو متألماً (۱) حديث ( لا يقضى القاضى وهو غضبان ( متفق عليه من حديث أبي بكرة . بمرض