16
العلم المذموم
تمام الحول من وقت الإسلام ؛ فإن لم يملك إلا الإبل لم يلزمه إلا تعلم زكاة الإبل ، وكذلك في سائر الأصناف ، فإذا دخل في أشهر الحج فلا يلزمه المبادرة إلى علم الحج مع أن فعله على التراخي فلا يكون تعلمه على الفور ، ولكن ينبغي لعلماء الإسلام أن ينبهوه على أن الحج فرض على التراخى على كل من ملك الزاد والراحلة إذا كان هو مالكا حتى ربما يرى الحزم لنفسه في المبادرة فعند ذلك إذا عزم عليه لزمه تعلم كيفية الحج ولم يلزمه إلا تعلم أركانه وواجباته دون نوافله ، فإن فعل ذلك نفل فعليه أيضاً نفل فلا يكون تعلمه فرض عين وفي تحريم السكوت عن التنبيه على وجوب أصل الحج فى الحال نظر يليق بالفقه ، وهكذا التدريج في علم سائر الأفعال التي من فرض عين . وأما التروك فيجب تعلم علم ذلك بحسب ما يتجدد من الحال ، وذلك يختلف بحال الشخص إذ لا يجب على الابكم تعلم ما يحرم من الكلام ، ولا على الأعمى تعلم ما يحرم من النظر ، ولا على البدوى تعلم ما يحرم الجلوس فيه من المساكن ، فذلك أيضاً واجب بحسب ما يقتضيه الحال ، فما يعلم أنه ينفك عنه لا يجب تعلمه وما هو ملابس له يجب تنبيهه عليه كما لو كان عند الإسلام لابساً للحرير ، أو جالساً في الغصب ، أو ناظراً إلى غير ذي محرم ، فيجب تعريفه بدلك وما ليس ملابساً له ولكنه بصدد التعرض له على القرب كالأكل والشرب فيجب تعليمه ، حتى إذا كان في بلد يتعاطى فيه شرب الخمر وأكل لحم الخنزير فيجب تعليمه ذلك وتلبيهه عليه ، وما وجب تعليمه وجب عليه تعلمه . وأما الاعتقادات وأعمال القلوب فيجب عليها بحسب الخواطر ، فإن خطر له شك في المعاني التي تدل عليها كلمتا الشهادة فيجب عليه تعلم ما يتوصل به إلى إزالة الشك . فإن لم يخطر له ذلك ومات قبل أن يعتقد أن كلام الله سبحانه قديم وأنه مرئى وأنه ليس محلا للحوادث إلى غير ذلك مما يذكر في المعتقدات ، فقد مات على الإسلام إجماعاً ، ولكن هذه الخواطر الموجبة للاعتقادات بعضها يخطر بالطبع وبعضها يخطر بالسماع من أهل البلد ، فإن كان في بلد شاع فيه الكلام وتناطق الناس بالبدع فينبغي أن يصان في أول بلوغه عنها بتلقين الحق ، فإنه لو ألقي اليه الباطل لو جبت إزالته عن قلبه وربما عسر ذلك ، كما أنه لو كان هذا المسلم تاجراً وقد شاع في البلد معاملة عليه تعلم الحذر من الربا ، وهذا هو الحق فى العلم الذى هو فرض عين ومعناه العلم بكيفية العمل الواجب ، فمن علم العلم الواجب ووقت وجوبه فقد علم العلم الذى هو فرض عين ، وما ذكره الصوفية من فهم خواطر العدو ولمة الملك حق أيضاً ولكن فى حق من يتصدى له ، فإذا كان الغالب أن الإنسان لا ينفك عن دواعى الشر والرياء والحسد فيلزمه أن يتعلم من علم ربع المهلكات ما يرى نفسه محتاجا إليه ، وكيف لا يجب عليه
الربا
وجب
وقد قال
(1)
"
رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ثلاث مهلكات : شح مطاع، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه ولا ينفك عنها بشر ، وبقية ما سنذكره من مذمومات أحوال القلب كالكبر والعجب وأخواتها تقبع هذه الثلاث المهلكات ، وإزالتها فرض عين ، ولا يمكن إزالتها إلا بمعرفة حدودها ومعرفة أسبابها ومعرفة علاماتها
.
ومعرفة علاجها ؛ فإن من لا يعرف الشر يقع فيه، والعلاج هو مقابلة السبب بضده ، وكيف يمكن دون معرفة السبب والمسبب ، وأكثر ما ذكرناه في ربع المملكات من فروض الأعيان، وقد تركها الناس كافة اشتغالا بما لا يعنى . ومما ينبغي أن يبادر في إلقائه إليه إذا لم يكن قد انتقل عن ملة إلى ملة أخرى : الإيمان بالجنة والنار والحشر والنشر حتى يؤمن به ويصدق ، وهو من تتمة كلمتى الشهادة ، فإنه بعد التصديق بكونه عليه السلام رسولا
(۱) حديث ( ثلاث مهلكات : شح مطاع ... الحديث ( أخرجه البزار والطبراني وأبو نعيم والبيهقي في الشعب من حديث
أنس بإسناد ضعيف