15
١٤
>
العلم المحمود
بيان العلم الذي هو فرض عين : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : طلب العلم فريضة على كل مسلم ، وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم : اطلبوا العلم ولو بالصين ، واختلف الناس في العلم الذي هو فرض على كل مسلم ، فتفرقوا فيه أكثر من عشرين فرقة ، ولا نطيل بنقل التفصيل ، ولكن حاصله أن كل فريق نزل الوجوب على العلم الذى هو بصدده ، فقال المتكلمون : هو علم الكلام ، إذ به يدرك التوحيد ويعلم به ذات الله سبحانه وصفاته ، وقال الفقهاء : هو علم الفقه إذ به تعرف العبادات والحلال والحرام وما يحرم من المعاملات وما يحل ، وعنوا به ما يحتاج إليه الآحاد دون الوقائع النادرة ، وقال المفسرون والمحدثون : هو علم الكتاب والسنة ، إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها . وقال المتصوفة : المراد به هذا العلم ، فقال بعضهم : هو علم العبد بحاله ومقامه من الله عز وجل . وقال بعضهم : هو العلم بالإخلاص وآفات النفوس وتمييز لمة الملك من لمة الشيطان . وقال بعضهم : هو علم الباطن ، وذلك يجب على أقوام مخصوصين هم أهل ذلك وصرفوا اللفظ عن عمومه . وقال أبو طالب المكي : هو العلم بما يتضمنه الحديث الذى فيه مبانى الإسلام ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم د بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله (۱) ، إلى آخر الحديث ، لأن الواجب هده الخمس فيجب العلم بكيفية العمل فيها وبكيفية الوجوب . والذى ينبغى أن يقطع به المحصل ولا يستريب فيه ما سنذكره : وهو أن العلم كما قدمناه في خطبة الكتاب ينقسم إلى علم معاملة وعلم مكاشفة ، وليس المراد بهذا العلم إلا علم المعاملة . والمعاملة التي كلف العبد العاقل البالغ العمل بها ثلاثة : اعتقاد ، وفعل ، وترك ؛ فإذا بلغ الرجل العاقل بالاحتلام أو السن ضحوة نهار مثلا فأول واجب عليه تعلم كلمتى الشهادة وفهم معناهما وهو قول : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، وليس يجب عليه أن يحصل كشف ذلك لنفسه بالنظر والبحث وتحرير الأدلة ، بل يكفيه أن يصدق به ويعتقده جزما من غير اختلاج ريب واضطراب نفس ، وذلك قد يحصل بمجرد التقليد والسماع من غير بحث ولا برهان ؛ إذ اكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجلاف العرب بالتصديق والإقرار من غير تعلم دليل (٢) . فإذا فعل ذلك فقد أدى واجب الوقت وكان العلم الذي هو فرض عين عليه فى الوقت تعلم الكلمتين وفهمهما ، وليس يلزمه أمر وراء هذا في الوقت ، بدليل أنه لومات عقيب ذلك مات مطيعاً لله عز وجل غير عاص له ، وإنما يجب غير ذلك بعوارض تعرض وليس ذلك ضروريا في حق كل شخص بل يتصوّر الانفكاك وتلك العوارض إما أن تكون في الفعل وإما في الترك وإما في الاعتقاد . أما الفعل : فبأن يعيش من ضحوة نهاره إلى وقت الظهر فيتجدّد عليه بدخول وقت الظهر تعلم الطهارة والصلاة ، فإن كان صحيحاً وكان بحيث لو صبر إلى وقت زوال الشمس لم يتمكن من تمام التعلم والعمل في الوقت بل يخرج الوقت لو اشتغل بالتعلم ، فلا يبعد أن يقال : الظاهر بقاؤه فيجب عليه تقديم التعلم على الوقت ويحتمل أن يقال : وجوب العلم الذي هو شرط العمل بعد وجوب العمل فلا يجب قبل الزوال ، وهكذا في بقية الصلوات فإن عاش إلى رمضان تجدد بسببه وجوب تعلم الصوم : وهو أن وقته من الصبح إلى غروب الشمس ؛ وأن الواجب فيه النية والإمساك عن الأكل والشرب والوقاع ، وأن ذلك يتمادى إلى رؤية الهلال أو شاهدين ؛ فإن تجدد له مال أو كان له مال عند بلوغه لزمه تعلم ما يجب عليه من الزكاة ، ولكن لا يلزمه في الحال إنما يلزمه عبد
الباب الثاني
(۱) حديث ( بني الإسلام على خمس ... الحديث متفق عليه من حديث ابن عمر (۲) حديث : اكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجلاف العرب بالتصديق والإقرار من غير تعلم دليل : مشهور في كتب السير والحديث ؛ فعند مسلم قصة ضمام بن ثعلبة .