← المكتبة ▭▭ صفحتان
إحياء علوم الدين - الغزالي - ط المعرفة
محمد بن محمد الغزالي أبو حامد الرقاق والآداب والأذكار
A− A+
14
الشواهد العقلية وهو للمسكن . والسياسة ، وهى للتأليف والاجتماع والتعاون على أسباب المعيشة وضبطها . ١٣ (الثاني) ماهى مهيئة لكل واحدة من هذه الصناعات وخادمة لها : كالحدادة فإنها تخدم الزراعة وجملة من الصناعات · بإعداد آلاتها كالحلاجة والغزل فإنها تخدم الحياكة بإعداد عملها (الثالث) ماهى متممة الأصول ومزينة ، كالطحن والخبز للزراعة ؛ وكالقصارة والخياطة المحياكة ؛ وذلك بالإضافة إلى قوام أمر العالم الأرضى مثل أجزاء الشخص بالإضافة إلى جملته فإنها ثلاثة أضرب أيضا : إما أصول كالقلب والكبد والدماغ ؛ وإما خادمة لها كالمعدة والعروق والشرايين والأعصاب والأوردة ، وإما مكملة لها ومزينة كالأظفار والأصابع والحاجبين ، وأشرف هذه الصناعات أصولها ، وأشرف أصولها السياسة بالتأليف والاستصلاح ولذلك تستدعى هذه الصناعة من الكمال فيمن يتكفل بها مالا يستدعية سائر الصناعات ، ولذلك يستخدم لا محالة صاحب هذه الصناعة سائر الصناع والسياسة في استصلاح الخلق وإرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجى فى الدنيا والآخرة على أربع مراتب : الأولى - وهى العليا : سياسة الأنبياء عليهم السلام وحكمهم على الخاصة والعامة جميعاً في ظاهرهم وباطنهم . والثانية : الخلفاء والملوك والسلاطين وحكمهم على الخاصة والعامة جميعاً ولكن على ظاهرهم لا على باطنهم . والثالثة : العلماء بالله عز وجل وبدينه الذين هم ورثة الأنبياء ، وحكمهم على باطن الخاصة فقط ، + ولا يرتفع فهم العامة على الاستفادة منهم ولا تنتهى قوتهم إلى التصرف فى ظواهر هم بالإلزام والمنع والشرع . والرابعة : الوعاظ وحكمهم على بواطن العوام فقط ؛ فأشرف هذه الصناعات الأربع بعد النبرة إفادة العلم وتهذيب نفوس الناس عن الأخلاق المذمومة المهلكة وإرشادهم إلى الأخلاق المحمودة المسعدة وهو المراد بالتعليم ؛ وإنما قلنا إن هذا أفضل من سائر الحرف والصناعات لأن شرف الصناعات يعرف بثلاثة أمور : إما بالالتفات إلى الغريزة التي بها يتوصل إلى معرفتها كفضل العقول العقلية على اللغوية : إذ تدرك الحكة بالعقل ، واللغة بالسمع ، والعقل أشرف من السمع ؛ وإما بالنظر إلى عموم النفع كفضل الزراعة على الصياغة ، وإما بملاحظة المحل الذي فيه التصرف كفضل الصياغة على الدباغة : إذ محل أحدهما الذهب ومحل الآخر جلد الميتة ؛ وليس يخفى أن العلوم الدينية وهى فقه طريق الآخرة إنما تدرك بكمال العقل وصفاء الذكاء ، والعقل أشرف صفات الإنسان كما سيأتي بيانه ؛ إذ به تقبل أمانة الله ، وبه يتوصل إلى جوار الله سبحانه . وأما عموم النفع فلا يستراب فيه فإن نفعه وثمرته سعادة الآخرة . وأما شرف المحل فكيف يخفى والمعلم متصرف في قلوب البشر ونفوسهم ، وأشرف موجود على الأرض جنس الإنس وأشرف جزء من جواهر الإنسان قلبه ، والمعلم مشتغل بتكميله وتجليته وتطهيره وسياقته إلى القرب من الله عز وجل ، فتعليم العلم من وجه : عبادة الله تعالى ، ومن وجه خلافة لله تعالى ، وهو من أجل خلافة الله ؛ فإن الله تعالى قد فتح على قلب العالم العلم الذى هو أخص صفاته ، فهو كالخازن لأنفس خزائنه ؛ ثم هو مأذون له في الإنفاق منه على كل محتاج إليه ؛ فأى رتبة أجل من كون العبد واسطة بين ربه سبحانه وبين خلقه فى تقريبهم إلى الله زلفى وسياقتهم إلى جنة المأوى ، جعانا الله منهم بكرمه ؛ وصلى الله على كل عبد مصطفى . الباب الثاني في العلم المحمود والمذموم وأقسامهما وأحكامهما وفيه بيان ما هو فرض عين وما هو فرض كفاية، وبيان أن موقع الكلام والفقه من علم الدين إلى أى حد هو وتفضيل علم الآخرة .