18
والثقافة الماركسية تعتبر الحالة الاقتصادية أصلاً لكل الأعمال الإنسانية ،
في تاريخ الجماعة البشرية ، وإن تغير الأحوال الاقتصادية يؤثر على حياة الدولة وعلى سياستها ، ويؤثر كذلك على العلم والدين ، وعلى هذا فإن الثقافة لديها فرع من الحياة الاقتصادية .
وهكذا فإننا نجد اضطراباً وخلطاً فيما تعتبره الثقافة الغربية مصدراً لها ، مما يؤدي إلى اضطراب في فكر الإنسان وفي نفسيته ، وهذا ما يورث كآبة نفسية في إحساس الفرد ، أو انطلاقاً شديداً لا يحده ضابط ولا توقفه قيمة .
يقول الأستاذ سيد قطب :
( ما الذي قدمته المادية ؟ إننا لا نجد بين أيدينا ولا في عقولنا ولا في واقعنا
منه شيئا ( مضبوطا ( فلماذا يا ترى نختاره ونلوذ به وهو هباء لا يثبت على اللمس ولا يثبت على الرؤية ، ولا يثبت على النظر العقلي ؟
،
أما هذا المسخ الذي يثير الاشمئزاز في تصور كارل ماركس وإنجلز للحياة البشرية ودوافعها ومجالها الذي تتحرك فيه ، وحصرها في جحر ( الاقتصاد ) فان الشعور بالاشمئزاز منه يزداد، عندما يقف الإنسان أمام عظمة الكون المادي نفسه . وما فيه من موافقات عظيمة عجيبة ، يبدو فيها كلها كأنما هي تمهيد للحياة البشرية بوجه خاص : فلا يتمالك نفسه من الاحتقار والاشمئزاز لمثل هذا التفكير الصغير الذي لا تروعه عظمة هذا الكون ذاته ، ولا تروعه الموافقات الكامنة فيه لاستقبال الحياة البشرية ، فإذا به يدير ظهره لكل هذه العظمة ، ولكل هذه الروعة ، ليخنس في جحر الاقتصاد والآلة والإنتاج ، لا بوصفها غاية للإنسان ومحركاً فحسب ، ولكن بوصفها كذلك العلة الأولى والإله الخالق والرب المتصرف المصرف لهذه الحياة ) (١) .
ونذكر هنا نعم الله علينا ، إذ وهبنا الدين الإسلامي الذي هو مصدر لكل
خير ، ولكل قيمة جديرة أن تبرز وأن تسود .
•
(۱) خصائص التصور الإسلامي ومقوماته . ص ٨١ وما بعدها
۲۱