12
6
التي
شقاء دنياهم وأخراهم، ولكن ما أتفه ما خسرت من هذه الصداقة الزائفة تنقلب الى عداوة عند الله : « الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين » ، - وكن واثقا بأنني سأعمل بإشارتك ، وسأطير في هذه الأجواء الحبيبة إلى نفسك
منه الماء
6
المغذية لأرواح بني جنسك ، ما وسعني أن أطير ، وما قدر جناحاي على التحليق . ولكن المسألة لا تنتهي هنا ، والمشكلة - كما يقول الإمام الغزالي - ليست النصيحة إنما المشكلة قبولها ، إن قلوب الناس - يا أخي ـ قد صارت من القسوة بحيث لم يؤثر فيها الكلام المؤثر ، ولا الوعظ البليغ الموجه ، ، فهي كالحجارة أو أشد قسوة ، وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه وإن منها لما يهبط من خشية الله » ، ليست مشكلتنا في عدم الدواء ولكن في عدم استعماله ، وقد وضعت - أنت ـ يدك على موضع الداء ، إذ قلت : ماذا ينفع المريض إذا كان الدواء في رحاله ولم يستعمله ؟ وإذا قلت : إن معنا القرآن الخ .. نعم ، إن معنا القرآن الذي بلغ من تأثيره أن يصفه الله بقوله : ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله » ذلك لا نتأثر به ، ومن هنا يقول علي - كرم الله وجهه ـ عندما قابل أصحابه رأيه بالعصيان - : ( لا رأي لمن لا يطاع ) ، وما الفائدة من وصف الدواء إذا كان لا يستعمله ذوو العلل والأمراض ؟ ولمن تعد الأغذية الشهية إذا قوبلت بالصد والإعراض ؟
ومع
-
فلا عجب أن نرى الغزالي بعد أن عرف المشكلة وقال كلمته المتقدمة يشفعها بقوله :
}}
غزلت لهم غزلا رقيقا فلم أجد لغزلي نساجا فكسرت مغزلي
،
لذلك كثيرا ما أعود على نفسي بالاتهام وأشك في صدق نيتي وأقول : لعل الكدر من المنبع والمرض في الطبيب والدواء لم ينبت في أرض طيبة ، والموعظة لم تصدر عن قلب صادق النية شريف القصد ، ( فإن الكلمة إذا خرجت من القلب ، نفذت إلى القلب ، وإذا خرجت من اللسان ، لم تتجاوز الآذان ) ، وإذا كان المنبع كدرا كان المصب كدرا وإذا عجز الطبيب عن علاج نفسه ، فهو عن علاج غيره أعجز ، وإذن فلا يلم من أعرض عن دوائه ولم يثق بعلاجه ، ولذا قال أبو بكر الصديق (ض ) : أصلح نفسك ، يصلح لك الناس ) ، كما كان عمر ( ص ) قبل أن يذهب ليعظ
16