5
وطبقا للتسلسل الزمنى والموضوعى فى جمع هذا التراث فقد رأينا أن نبدأ
بتراث النديم الصحفى ، خصوصا وأن هذا التراث هو الذي بدأ به النديم الاتصال بسواد الشعب المصرى فى محاولة منه لتكوين رأى عام ، ونجح في ذلك إلى حد كبير لدرجة أن لقبه البعض بأنه صحفى القرن التاسع عشر بلا منازع ، ولقبه البعض الآخر بأنه أذكى ناقد لأوربا في مصر (٢) ، وقبل أن نتعرض لهذا التراث ينبغى أن نتطرق إلى نشأة النديم ومصادر ثقافته
ولد عبد الله النديم بالاسكندرية فى عام ١٨٤٣ ونشأ في أسرة كادحة حيث لعب الفقر دوره فى حياته الأولى وتآزرت العوامل التي جعلته يشعر بآلام شعبه فقد كان والده خبازا يصنع الخبز ويبيعه ويحصل من ذلك على مقدار الحاجة من العيش البسيط هو وأسرته ، وتربى النديم في مسكن متواضع في حارة ضيقة من حوارى حى الجمرك بالاسكندرية وأرسله والده إلى كتاب الحى لتعلم مبادىء القراءة والكتابة فبرز بين أقرانه ، وظهر نبوغه حيث أعانته موهبته على سرعة الفهم والحفظ ، ولما كانت أحوال والده المادية ضعيفة أحجم عن ارساله إلى الأزهر ، واستبدل بذلك ارساله إلى الجامع الأنور لقربه من منزله ، ولكن النديم لم يصبر طويلا على الدراسة في هذا الجامع حيث أحس بجفافها وعقم الطريقة التي تدرس بها فضلا عن رداءة الكتب كما وجد في نفسه ميلا واستعدادا لشيء لا يستطيع منه خلاصا ولا عنه انصرافا وهو الأدب فخرج من الجامع إلى الشارع أو إلى الحياة الواقعية فكانت بمثابة الجامعة التي تعلم منها كثيرا وشاهد فيها كثيرا واغترف منها ما يشبع مزاجه وهوايته في الأدب فاحاط بالحياة الشعبية ، وسمع الأمثال والحكايات من شعراء الربابة ونوادر الظرفاء كما ارتاد النديم المنتديات والمقاهي والمجالس الأدبية التي كانت تعقد في بيوت الأثرياء ، وفى حوانيت التجار المحبين للأدب يتطارحون الشعر وغير ذلك من فنون الأدب فنزل النديم إلى هذه الحلبة وفاق أقرانه وتفوق على أساتذته واشتهر أمره حيث برزت قدراته الخطابية والكتابية ولما سمع النديم
។