22
المقدمة الثانية
23
.
فمما يؤر (1) عن أحمد بن حنبل رحمه الله ، أنه سئل عن تمثل الرجل ببيت شعر لبيان معنى في القرآن فقال « ما يعجبنى » فهو عجيب ، وإن صح عنه فلعله يريد كراهة أن يذكر الشعر لإثبات صحة ألفاظ القرآن كما يقع من بعض الملاحدة، روى أن ابن الراوندى(۲) (وكان يُزَن بالألحاد ) قال لابن الأعرابي : ( أتقول العرب لباس التقوى » فقال ابن الأعرابي لا باس لا باس، وإذا أنجى الله الناس ، فلا نَجى ذلك الراس ، هبك يابن الرواندي تنكر أن يكون محمد نبياً أفتنكر أن يكون فصيحا عربيا ؟ » .
ويدخل في مادة الاستعمال العربي ما يؤثر عن بعض السلف في فهم معانى بعض الآيات على قوانين استعمالهم ، كما روى مالك فى الموطأ عن عروة ابن الزبير قال « قلت لعائشة ـ وأنا يومئذ حديث السن: أرأيت قول الله تعالى . إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ، فما على الرجل شيء أن لا يطوف بهما ، فقالت عائشة : كلا لو كان كما تقول ، لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، إنما نزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة الطاغية ، وكانت مناة حذو قديد ، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة ، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله عن ذلك ، فأنزل الله: إن الصفا والمروة الآية اهـ » ، فبينت له ابتداء طريقة استعمال العرب لو كان المعنى كما وهمه عروة بينت له مثار شبهته الناشئة عن قوله تعالى ( فلا جناح عليه » الذى ظاهره رفع الجناح عن الساعي الذي يصدق بالإباحة دون الوجوب . وأما الآثار فالمعنى بها ، ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، من بيان المراد من بعض القرآن في مواضع الإشكال والإجمال ، وذلك شيء قليل. قال ابن عطية عن عائشة « ما كان رسول الله يفسر من القرآن إلا آيات معدودات علمه إياهن جبريل » ، قال معناه في مغيبات
القرآن
و تفسير مجمله مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف ، قلت أو كان تفسيرا لا توقيف فيه ،
كما بين لعدى بن حاتم أن الخيط الأبيض والخيط الأسود هما سواد الليل وبياض النهار
وقال له إنك العريض الوسادة ، وفى رواية إنك لمريض القفا ، وما نقل عن الصحابة الذين
(۱) ذكره الآلوسي . (٢) توفى سنة ٢٤٠
،
( ٢ / ١ - التحرير )