← المكتبة ▭▭ صفحتان
التحرير والتنوير - ابن عاشور - ط الدار التونسية 1-15
محمد الطاهر بن عاشور التفاسير
A− A+
18
المقدمة الثانية 19 التحدى سليما من القادح ، فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل » (۱) ولعلمى البيان والمعانى مزيد اختصاص بعلم التفسير لأنهما وسيلة لإظهار خصائص البلاغة القرآنية ، وما تشتمل عليه الآيات من تفاصيل المعاني وإظهار وجه الإعجاز ولذلك كان هذان العلمان يسميان فى القديم «علم دلائل الإعجاز » قال في الكشاف : « علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذى علم ، فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام ، والمتكلم وإن بز أهل الدنيا فى صناعة الكلام ، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرية أحفظ ، والواعظ وإن كان من الحسن البصرى أوعظ ، والنحوى وإن كان أنحى من سيبويه ، واللغوى وإن علك اللغات بقوة لحييه ، لا يتصدى منهما أحد لسلوك تلك الطرائق ، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق ، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن وهما علما البيان والمعانى اهـ » (٢) . وقال في تفسير سورة الزمر عند قوله تعالى (والسماوات مطويات بيمينه) : « وكم من آية : من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول ، قد ضيم وسيم الخسف ، بالتأويلات الفئة ، والوجوه الرئه ، لأن من تأوَّلها ليس من هذا العلم فى غير ولا تغير ، ولا يعرف قبيلا منه من دبير » يريد به علم البيان . وقال السكاكي في مقدمة القسم الثالث من كتاب المفتاح وفيما ذَكَرْنَا ما يُنبه على أن الواقف على تمام مراد الحكيم تعالى ، وتقدس من كلامه : مفتقر إلى هذين العلمين ( المعاني والبيان ( كل الافتقار ، فالويل كل الويل لمن تعاطى التفسير وهو فيهما راجل » ، قال السيد الجرجانى فى شرحه : « ولا شك أن خواص نظم القرآن أكثر من غيرها فلابد لمن أراد الوقوف عليها ، إن لم يكن بليغا سليقة ، من هذين العلمين . وقد أصاب ( السكاكي) بذكر الحكيم المَحَزَّ ، أى أصاب المحرّ إذ خص بالذكر هذا الاسم من بين الأسماء الحسنى ، لأن كلام الحكيم يحتوى على مقاصد جليلة ومعانى غالية ، لا يحصل الاطلاع على جميعها أو معظمها إلا بعد التمرس بقواعد بلاغة الكلام المفرغة فيه ، وفى قوله ينبه إشارة إلى أن من حقه أن يكون معلوما ولكنه قد يغفل عنه ، (۱) انظره عند قوله تعالى « ويمدهم في طغيانهم يعمهون » في سورة البقرة . (۲) ديباجة الكشاف