15
16
.
المقدمة الأولى
ومنهم من سلك مسلك النظر كأبي إسحاق الزجاج وأبى على الفارسي ، وشغف كثير بنقل القصص عن الإسرائيليات ، فكثرت في كتبهم الموضوعات ، إلى أن جاء في عصر واحد عالمان جليلان أحدهما بالمشرق ، وهو العلامة أبو القاسم محمود الزمخشري ، صاحب الكشاف ، والآخر بالمغرب بالأندلس وهو الشيخ عبد الحق بن عطية ، فألف تفسيره المسمى بـ ( المحرر الوجيز » . . كلاهما يغوص على معاني الآيات ، ويأتى بشواهدها من كلام العرب ويذكر كلام المفسرين إلا أن منحى البلاغة والعربية بالزمخشري أخص ، ومنحى الشريعة على ابن عطية أغلب ، وكلاهما عضادتا الباب ، ومرجع من بعدها من أولى
الألباب . وقد جرت عادة المفسرين بالخوض فى بيان معنى التأويل ، وهل هو مساو للتفسير أو أخص منه أو مباين. وجماع القول فى ذلك أن من العلماء من جعلهما متساويين، وإلى ذلك ذهب ثعلب وابن الأعرابي وأبو عبيدة ، وهو ظاهر كلام الراغب ، ومنهم من جعل التفسير للمعنى الظاهر والتأويل للمتشابه، ومنهم من قال: التأويل صرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر محتمل لدليل فيكون هنا بالمعنى الأصولي ، فإذا فسر قوله تعالى يخرج الحى من الميت » بإخراج الطير من البيضة ، فهو التفسير ، أو بإخراج المسلم من الكافر فهو التأويل ، وهنالك أقوال أخر لا عبرة بها ، وهذه كلها اصطلاحات لا مشاحة فيها إلا أن اللغة والآثار تشهد للقول الأول ، لأن التأويل مصدر أوله إذا أرجعه إلى الغاية المقصودة ، والغاية المقصودة من اللفظ هو معناه وما أراده منه المتكلم به من المعاني ، فساوى التفسير ، على أنه لا يطلق إلا على مافيه تفصيل معنى خفى معقول . قال الأعشى :
على أنها كانت تأول حبها تَأَولُ رِبْعِيُّ السقاب فَأَصْحَبا أى تبيين تفسير حبها أنه كان صغيرا في قلبه ، فلم يزل يشب حتى صار كبيرا كهذا السقب أى ولد الناقة ، الذي هو من السقاب الربيعية لم يزل يشب حتى كبر وصار له ولد يصحبه قاله أبو عبيدة ، وقد قال الله تعالى « هل ينظرون إلا تأويله » أى ينتنظرون إلا بيانه الذي هو المراد منه ، وقال صلى الله عليه وسلم في دعائه لابن عباس « اللهم في الدين وعلمه التأويل » ، أى فهم معانى القرآن ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها
فقهه