18
١٨
تفسير أبي السعود
وإنزال الكتب المنطوية على فنون الهدايات التي من جملتها الإرشاد إلى مسلك الاستدلال بتلك الأدلة التكوينية الآفافية والأنفسية والتنبيه على مكانها كما أشير إليه مجملا في قوله تعالى وفى الأرض آيات للموقنين و في أنفسكم أفلا تبصرون و في قوله عز وعلا إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون ومنها الهداية الخاصة وهى كشف الأسرار على قلب المهدي بالوحى أو الإلهام ولكل مرتبة من هذه المراتب صاحب ينتحيها وطالب يستدعيها والمطلوب إما زيادتها كما في قوله تعالى والذين اهتد و از ادهم هدى وإما الثبات عليها كما روى عن على وأبى رضى الله عنها احمدنا ثبتنا ولفظ الهداية على الوجه الأخير مجاز قطعاً و أما على الأول فإن اعتبر مفهوم الزيادة داخلا في المعنى المستعمل فيه كان مجازاً أيضاً وإن اعتبر خارجا عنه مدلولا عليه بالقرائن كان حقيقة لأن الهداية الزائدة هداية كما أن العبادة الزائدة عبادة فلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وقرى. أرشدنا والصراط الجادة أصله السين قلبت صاداً لمكان الطاء كمصيطر في مسيطر من سرط الشيء إذا ابتلعه سميت به لأنها تسترط السابلة إذا سلكوها كما سميت لقما لأنها تلتقمهم وقد تشم الصاد صوت الزاى تحرياً للقرب من المبدل منه وقد قری، بهن جميعاً و فصحا من إخلاص الصاد وهى لغة قريش وهى الثابتة في الإمام وجمعه صرط ككتاب وكتب وهو كالطريق والسبيل في التذكير والتأنيث والمستقيم المستوى والمراد به طريق الحق وهي الملة الحنيفية السمحة المتوسطة بين الإفراط والتفريط . ( صراط الذين أنعمت عليهم ) بدل من الأول بدل الكل وهو فى حكم تكرير العامل من حيث إنه المقصود بالنسبة وفائدته التأكيد والتنصيص على أن طريق الذين أنعم الله عليهم وهم المسلمون هو العلم في الاستقامة والمشهود له بالاستواء بحيث لا يذهب الوهم عند ذكر الطريق المستقيم إلا إليه وإطلاق الإنعام لقصد الشمول فإن نعمة الإسلام عنوان النعم كلها فمن فاز بها فقد حازها بحذافيرها وقيل المراد بهم الأنبياء عليهم السلام ولعل الأظهر أنهم المذكورون في قوله عز قائلا فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بشهادة ما قبله من قوله تعالى ولهديناهم صراطاً مستقيما وقيل هم أصحاب موسى وعيسى عليها السلام قبل النسخ والتحريف وقرى صراط من أنعمت عليهم والإنعام إيصال النعمة وهى في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان من النعمة وهى اللين ثم أطلقت على ما تستلذه النفس من طيبات الدنيا . ونعم الله تعالى مع استحالة إحصائها ينحصر أصولها في دنيوى وأخروى والأول قسمان وهي وكسي والوهي أيضاً قسمان روحاني كنفخ الروح فيه وإمداده بالعقل وما يتبعه من القوى المدركة فإنها مع كونها من قبيل الهدايات نعم جليلة في أنفسها وجسماني كتخليق البدن والقوى الحالة فيه والهيئات العارضة له من الصحة وسلامة الأعضاء والكسى تخلية النفس عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق السنية والملكات البهية وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحلى المرضية وحصول الجاه والمال . والثانى مغفرة ما فرط منه والرضى عنه و تبوئته في أعلى عليين مع المقربين والمطلوب هو القسم الأخير وما هو ذريعة إلى نيله من القسم الأول اللهم ارزقنا ذلك بفضلك العظيم ورحمتك الواسعة . غير المغضوب عليهم ولا الضالين) صفة للموصول على أنه عبارة عن إحدى الطوائف المذكورة المشهورة بالإنعام عليهم وباستقامة المسلك ومن ضرورة
V