14
مقدمة
في إثبات حقيقة القدر
اعْلَمْ - وَفَقَكَ اللهُ تَعَالَى - أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَقِّ هُوَ الْحَقُّ
وَمَذْهَبُهُمْ : أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ وَمَا يَكُونُ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَزَلِ ، وَعَلِمَ - سُبْحَانَهُ ـ أَنَّهَا سَتَقَعُ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَهُ تَعَالَى - وَعَلَى صِفَاتٍ تَحْصُوصَةٍ ؛ فَهِيَ تَقَعُ عَلَى حَسَبٍ مَا قَدَّرَهَا
وَخَالَفَتِ القَدَرِيَّةُ (۱) فِي ذَلِكَ ـ وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى مَذْهَبِهِمْ (۲) ـ ؛ فَقَالُوا : إِنَّهُ ـ سُبْحَانَهُ - لَمْ يُقَدِّرِ الْأَشْيَاءَ ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ عِلْمُهُ بِهَا ، وَأَنَّهَا مُسْتَأْنَفَةُ العِلْمِ ؛ أَيْ : إِنَّما يَعْلَمُهَا ـ سُبْحَانَهُ - بَعْدَ وُقُوعِهَا (۳)
الْقَدَرَ»
وَكَذَبُوا عَلَى اللهِ فِي قَوْلِهِمْ وَمَذْهَبِهِمْ ، وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ بِالْكِتَابِ
:
(۱) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ» (١/ ١٥٤) : «وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْفِرْقَةُ قَدَرِيَّةً لِإِنْكَارِهِمُ
(۲) كَالفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ أَثْبَتُوا عِلْمَ اللهِ - تَعَالَى - لِلْكُلِّيَّاتِ وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ ـ سُبْحَانَهُ - عِلْمَ الْجُزْثِيَّاتِ ، وَكَالْمُعْتَزِلَةِ ـ الَّذِينَ هُمُ امْتِدَادٌ لِلقَدَرِيَّةِ - الَّذِينَ أَثْبَتُوا العِلْمَ لَهُ ـ سُبْحَانَهُ - وَأَنْكَرُوا تَقْدِيرَهُ لِلْأَشْيَاءِ .
6
(۳) أَوَّل مَا تُكُلِّمَ بِالقَدَرِ كَانَ بَعْدَ مُنتَصَفِ القَرْنِ الأَوَّلِ الهِجْرِيٌّ ، وَأَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ : هُوَ (سَوْسَنُ) وَيُكْنَى أَبَا يُونُسَ ، وَيُقَالُ لَهُ : سَنْسَوَيْهِ وَسيسوَيْهِ - وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ - ، كَانَ نَصْرَانِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى دِينِهِ ، ثُمَّ أَخَذَ عَنْهُ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ ، وَأَخَذَ غَيْلَانُ عَن مَعْبَدٍ .
وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ هُمُ القَدَرِيَّةُ الأَوَائِلُ ؛ أَمَّا القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَأَثْبَتُوا العِلْمَ اللَّهِ
- تَعَالَى ـ ، وَلَكِنْ أَنْكَرُوا الْخَلْقَ وَالْإِرَادَةَ وَالمَشِيئَةَ ـ كالمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ - .
١٤