42
47
الأولى . وكان أوّل من استقبلنا حال دخولنا دولة المتصرّف ، فرادنا إلى ردهة الاستقبال الّتي دخلناها ، وكانت وقتئذ حافلة بحضرات المدعوّين من كبار القوم وسراة المسيحيّين وأعيانهم . وقد وجدنا في ما بين أظهرهم بعض أسرة سرسق وأسرة بسترس ، وهاتان الأسرتان من أشهر الأسر في بلاد الشام ، وهما من طائفة الروم الأرتدكس وأصلهما غالباً من لبنان ، ويسكنان الآن في مدينة بيروت ولهما هناك شهرة كبيرة وصيت ذائع حتى يقال إنهما أعظم أهل بيروت ثراء وأكثرهم مالا . ثمّ كان من المدعوّين أيضاً حضرة الفاضل سليم بك تابت . ولعلّ القارئ يلاحظ على أنّي أفردت هذا الشخص بالذكر وعينته بالاسم ، دون ما سواه من المحتفلين ، وما أدراه أنّ سليم بك تابت هذا جدير أن يبلغ من أنفسنا تلك المكانة ، وأن يفسح له في رحلتنا بقدر ما يسع ذكر مروءته وكرم أخلاقه وحسن تربيته . وما نريد من ذلك إلا أن يعرف القرّاء له ما عرفناه من الكرم والمعروف . أما هو فإنه سليل أسرة مسيحيّة محترمة في تلك البلاد . وما كان يلفتنا إليه ويجعله منّا في تلك المنزلة أنّه ثري وجيه ولا أنّه عزيز في قومه ، وأنّ الناس في هذا الباب كثيرون مزدحمون ، وإنّما رأيت في الرجل همّة عالية ونشاطاً كبيراً وبديهة حاضرة لا يمل مجلسه ولا تسأم معاشرته ، لأنّه جميل المحاضرة ظريف ما استطاع ، كأنّ الشام بيته والمسافرين إليها ضيوفه ، تما دلّنا على أن فيه غيرة على بلده وحرصاً غريباً على أن لا يقع نظر السائح منها إلا على ما يحب ويستحسن . وقد عجبنا جداً من أنّه قادر على نفسه ، غالب لها على إرادتها ، إذ لم يمنعه تحيّزه لدينه وتعصبه لمذهبه أن يقسط بين الناس في لطفه ومودته ، يستوي عنده في ذلك المسيحي والمسلم واليهودي وغيرهم من أي ملة أو نحلة . ثمّ هو لا يألو جهداً في مساعدة الإنسان متى قصده وطلب معونته . وإنه الجدير بمن تجتمع له هذه الخلال الطيبة والشمائل المحمودة أن ينال من قلوب الناس محبّة تامة ومن ألسنتهم ثناء جميلاً . ولذلك قلّما ينعقد مجلس سرور ، أو تتألف حفلة أنس أو تتسق جمعية مفيدة ، حتى يكون من أهم مروّجيها وأصحاب القدح المعلّى فيها وبعدما جلسنا برهة نتحدّث مع هؤلاء المدعوّين الكرام ، دعينا إلى غرفة الطعام . وهناك تعاطينا من المآكل الشهيّة اللذيذة ما حمدنا الله على إساغته . وقد كانت الموسيقى في هذه الأثناء تصدح بألحانها المطربة . ثم عدنا إلى قاعة الاستقبال