14
كان الأمير محمد علي مأخوذا بتلك الاستقبالات الحافلة ، ولعله تذكر بعض ما ترکه جده إبراهيم باشا من آثار طيبة في نفوس عشاق الحرية والتخلص من القهر والاستبداد خلال الحملتين اللتين قام بهما ضد العثمانيين في 1831 و 1839 ، وكان النصر حليفه ، فأثار بذلك مخاوف الدول الأوربية وبدأت الضغوط حتى أجبرته على التراجع .
ورحالتنا هذا ، محمد علي (1875 (1955) هو ابن محمد توفيق بن إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي، من أمراء مصر . ولد بالقاهرة، وتعلم فيها وفي سويسرا . وقام برحلات عديدة ، وأجاد اللغات الفرنسية والإنكليزية والتركية . وهو أخو الخديوي عباس حلمي الثاني ، وقد آلت إليه ولاية العهد مرتين : الأولى في عهد شقيقه عباس ، والثانية قبل أن يرزق فاروق ولدا .
وعلى المستوى الخاص ، تكشف لنا هذه الرحلة عن قيمة الصداقة ومكانتها السامية في نفس هذا الأمير. إنه يردد أسماء أصدقائه الذين استقبلوه واحتفوا بقدومه وأكرموا وفادته بكل مودة حميمة واحترام متبادل . ومن هؤلاء الأصدقاء عبد الحميد باشا الدروبي من حمص ، وآل مطران في بعلبك ، وفخري باشا والي حلب الذي كان ينتظر قدومه في المحطة ، مما يكشف عن قوة شخصيته دون خوف من السلطة التي عينته ، لأن الصداقة في نظره فوق المنصب . ومن بين هؤلاء الأعلام ناظم باشا والي بغداد والموصل وديار بكر الذي كان في ضيافة والي حلب . وكذلك كان محمود بك من زعماء مشايخ الدنادشة ، ونسيم بك جنبلاط في صيدا من الملامح التي تسترعي الانتباه في هذا الكتاب كثرة الأمثلة الشعرية ، وقد أشرت في الحواشي إلى بعض قائليها، رغبة مني في أن يلتفت الشباب إلى تراث أمتنا الشعري . وهناك لمحات تعريفية أوردها المؤلف عند زيارته كل مدينة ، لكنها لم تكن معلومات تاريخية موثقة ، إنما استقاها - على ما يبدو - من المراجع الفرنسية والعثمانية التي تيسرت له في تلك الأيام ، لكن مرور ما يقارب القرن على هذه المعلومات أضاف كثيرا من الحقائق المكتشفة . ويمكن أن أضيف إلى ذلك أن الكاتب اجتهد في لفظ وكتابة بعض الأسماء الواردة في سياق النص ، مثل : (عطیانوش) و قينليوس وما شابه ، وهي سوف تربك القارئ كما أربكتني ولم أجد أصولها
16
: