27
۲۸
القرن من نجاح . وتستقدم العلماء والأدباء الأوربيين ، وما هي إلا دورات قليلة من الزمن حتى يصبح لمصر علماؤها المتخصصون في جميع فروع العلم،
وأدباؤها الذين يلمون بجميع ضروب الآداب الغربية القديمة والحديثة . وتحقق الجامعة كل ما كان يطلب منها من بحوث علمية وأدبية ممتازة ، ويخرج منها جيل يتم مع الأساتذة الرائدين هذه الدورة الرائعة في تاريخ علمنا وأدبنا ، فيترجم الغربيون ما نحدثه كما ترجمنا ، ونترجم ما يحدثونه . فالأربعون سنة الأخيرة من تاريخنا الحديث تسجل نصراً مؤزراً لنهضتنا الأدبية الطويلة منذ منتصف القرن الماضى إلى هذا اليوم الذي نعيش فيه ، لا لسبب إلا لأن هذين التيارين العربى والغربى اللذين كانا يبدوان منفصلين طوال الحقب السالفة اتحدا اتحاداً متيناً
ولهذا مظهر واضح لا فى حياة من برعوا في فهم الآداب الأجنبية ، وإنما فيمن نزعوا إلى قديمنا الخالص من مثل المنفلوطى والرافعى ، فإنهم أقبلوا على التزود من الآداب الغربية المترجمة ، حتى يحدثوا لأنفسهم صوراً أدبية جديرة بالتقدير من مواطنيهم، وكأنهم عرفوا أنه تولد عندنا رأى أدبى عام ينكر التمسك بالنموذج القديم الذى لا يلائم عصره وحياته ، ويطلب النموذج الجديد الذي
أن
يطابق هذه الحياة وذلك العصر ، حتى يستطيع أن يسيغه ، وحتى يستطيع يتذوق ما فيه من جمال. ومن أجل ذلك استعان المنفلوطي ببعض القصص المترجمة أو بقصص ترجمت له ، ليكتب ماجدولين وغيرها من أقاصيصه . بل أكثر من ذلك رأينا بعض الأزهريين الذين ألفوا التيار العربي الخالص ونماذجه يطلبون اللغات الأجنبية ويتعلمونها ، حتى يقفوا على صور آدابها ، وحتى يدخلوا في هذا النطاق الحيوى الجديد
وكل ذلك معناه التحام التيار الغربي بالتيار العربي داخل بلدنا في حدة وقوة لم يسبق لهما مثيل ولا نظير في تاريخنا الحديث . وأخذنا ندعم ذلك من وجوه كثيرة فمن جهة أنشأنا معهداً للموسيقى وآخر للتمثيل ، كما خطونا بالفنون
الجميلة خطوات واسعة .