← المكتبة ▭▭ صفحتان
الأدب العربي المعاصر في مصر - ضيف - ط المعارف
شوقي ضيف الأدب والبلاغة
A− A+
19
۲۰ وتعليقاتهم وما حشدوا فيها من عقد وألغاز ، فقد تحولت العبارات نفسها إلى أحاج مغلقة ، وأصبح هم العلماء أن يحلوا هذه الأحاجي، وحلتها لا يضيف علماً إنما يضيف فساداً لغوياً . وانقطعت الصلة بينهم وبين الكتب العلمية الأولى التي ألفت في العصر العباسي ، بل التي ألفت فى العصر القريب منهم عصر المماليك ، فكنت قلما تجد من يعرف شيئاً عن كتب الأئمة مثل الشافعى أو الفلاسفة مثل الفارابي أو المفكرين الاجتماعيين مثل ابن خلدون . أنه لم تعد العلوم شيئاً سوى متون مثل متن المنهج للشيخ زكريا الأنصارى الذى جمع فيه كل مسائل الفقه الشافعي ، وكان الأزهريون إلى قريب من عصرنا يحفظون ما يسمى مجموع المتون ، وهو مجموع يحصى كل أنواع العلم العربى ويحيله جملا مبهمة فى شعر أو نثر للحفظ والتسميع . وكأن العلماء شعروا لم يعد هناك شيء يقال ، فهم الواحد منهم أن يتناول المتن الذى لخص فيه العلم أو بعبارة أدق لغز ليحله ، وقد يكتب في الحل شرحاً مبهماً ، ليس في كثير من الأمر خيراً من المتن، فيعمد عالم آخر إلى المتن ، فيعمد عالم آخر إلى حل الشرح بشرح يسمونه حاشية ، ويتبين عالم ثالث أو أن شرح الشرح ليس كافياً رابع فيعمد إلى التعليق عليه بما يسمى تقريراً . ثان وبهذا أصبح العلم العربى الذى كان يملأ المجلدات الضخمة شيئاً ضئيلا جداً لا يتجاوز صفحات معدودة ، وران على الحياة العقلية ضرب من الجمود الشديد ، وأصبح لا بد من هزة عنيفة لتعيد إلى ينابيع حياتنا العقلية دوراتها الأولى . ولم تكن حياتنا الأدبية خيراً من حياتنا العقلية ، فقد وقف النشاط الذي كنا نراه في عصر المماليك وقبله ، والذى كان يتيح لنا بعض الأزهار الفنية ، فنجد عندها بعض المتاع وبعض الراحة ، إذ لم تعد مصر تحت تأثير العثمانيين وما أشاعوا فيها من فساد في النظم السياسية والاجتماعية صالحة لأن تخرج أزهاراً أو ما يشبه الأزهار ، فقد غلوها وغلوا أدباءها ، وحالوا بينهم وبين حرياتهم الفردية ، كما حالوا بينهم وبين الرخاء المادى ، فانهارت حياتهم أو بعبارة أخرى