20
۲۱
انهارت حياتنا الأدبية كما انهارت حياتنا العقلية، وأصبحت لا تجد كاتباً ولا شاعراً تستطيع أن تقرأ له شيئاً يلذ عقلك أو يلذ روحك . وعلى نحو ما أصبحت حياتنا العقلية تلخيصاً للتراث الماضى وإفساداً له أصبحت كذلك حياتنا الأدبية تلخيصاً ، بل تقليداً مملا لبعض القصائد القديمة ، يحاكيها الشعراء ويتناولونها بالتخميس والتسبيع أو التشطير ، ولا يضيفون إلى ذلك إلا عقداً من البديع المتكلف الممقوت ، وكأن الغرض من القصيدة تطبيق أنواع البديع لا أكثر ولا أقل . ومن المستحيل أن تجد في أثناء ذلك عاطفة أو شعوراً حقيقياً . وبالمثل أصبحت الكتابة شيئاً سقيماً ، أصبحت سجعاً ولكنه سجع ضعيف ركيك ، لا يؤدى شيئاً سوى ألوان البيان والبديع المعقدة
وفى هذا الوقت الذى قضي فيه على حياتنا العقلية والأدبية بالحمود والركود قضى على أوربا أو قدر لها حياة عقلية وأدبية نشيطة ، وهي حياة تناولت مناحي الفكر الإنسانى جميعه من علم وفلسفة وأدب
واستعانت أوربا أول الأمر بالتراث اليونانى ، فتطورت حياتها الفكرية تحت تأثير هذا التراث الوثنى القديم، ونشأ حينئذ صراع هائل بين الأدبين المسيحى والوثنى ، وظهرت حركات البروتستانت ، وأخذت أوربا طريقها إلى إحداث آدابها الحديثة. وعلى نحو ما كشفت الآثار اليونانية والرومانية كشفت أمريكا وأخذت في استغلالها على نحو ما استغلت تلك الآثار
وأخذت تندفع في حركتها العلمية ، وتكتشف القوانين الطبيعية وغير الطبيعية التى تسيطر على الحياة والناس ، مستشعرة ضروباً واسعة من الحرية العقلية. وكان من أهم مميزات هذه الحرية نقد كل شيء من دين وغير دين . وقد نقدوا الفلسفة القديمة ، وأسسوا لأنفسهم فلسفة حديثة أقامها لهم ديكارت على أسس علمية ، ثم تطوروا بها نحو التجريد ونحو الطبيعة والعلم الوضعي ، بل نحو الإنسانية بمعناها الواسع. وكل ذلك دون أن يقطعوا صلتهم بفلسفة اليونان وتشريع الرومان وعلى نحو ما تطوروا بحياتهم العقلية تطوروا بحياتهم الأدبية ، فاستحدثوا