18
۱۹
تیاران : عربی و غربی
يجرى في أدبنا منذ القرن الماضى تياران : عربى وغربى ، أما التيار العربي فكان يمثله الأزهر وتعليمنا فيه . ومعروف أن الأزهر هو الذي حافظ على تراثنا الإسلامي والعربي أيام محنتنا بالحكم العثماني، فإن المدارس المختلفة التي أنشأها الأيوبيون والمماليك أغلقت أبوابها ، ولم يعد يضيء في حياتنا العقلية سوى
هذه المصابيح الضئيلة التى كانت ترسل من الأزهر نوراً شاحباً خافتاً . ولم تكن هذه المصابيخ تقتصر على الدين بل كانت تشمل العلوم اللغوية والطبية والفلسفية ، وإن كانت العناية بالعلوم الأخيرة ضعيفة . بل إن العلوم الدينية نفسها كانت قد تخاذلت وتضاءلت تحت تأثير الظلم الذي أرهق به العثمانيون أهل مصر . وكلنا نعرف أن مصر استطاعت قبل الحكم العثماني أن تسهم في الحضارة الإسلامية فى أثناء العصرين الفاطمي والأيوبي ، وانفردت في أثناء عصر المماليك بالنهوض بتلك الحضارة ، واتخذت لذلك طريقاً واضحاً أن التراث الإسلامي العربي وتضعه من جديد فى كتب كبرى تشبه دوائر المعارف على نحو ما نعرف في الأعشى للقلقشندى ونهاية الأرب للنويرى صبح ولسان العرب لابن منظور
تجمع
وعلى حين كانت مصر معنية بجمع التراث العربي والمحافظة عليه نزل بها طوفان العثمانيين فإذا هو يأتى على هذه الجهود العقلية الخصبة ، بل إنه يصيبها بعطل شديد ، فيتوقف في مصر كل شيء، ويعم العقم والجمود، وتراجع هذه النهضة الذهنية، حتى تصبح شيئاً ضئيلا جدا لا نكاد نتبينه إلا في متون وملخصات يبدئ فيها الأزهريون ويعيدون وكل ما يستطيعون عمله أن يشرحوها ، وقد يشرحون الشرح ، وقد يعلقون عليه ، بذلك لا يضيفون إلى العلم شيئاً ذا خطر ، بل لقد عقدوا العلم تعقيداً بكثرة متونهم وشروحهم وتقريراتهم
6
وهم