← المكتبة ▭▭ صفحتان
أسرار البلاغة - الجرجاني - ت شاكر - ط المدني
عبد القاهر الجرجاني الأدب والبلاغة
A− A+
9
خطب الجاحظ إذا أكثر فيها من الوشم والنقش ، وأثقل صاحبها بالحَلى والوَشى ، قياسُ الحَلى على السيف الدَّدَان ، (۱) والتوسع في الدعوى بغير بُرهان ، كما قال : من الطويل ] إذا لم تُشاهِدُ غَيْرَ حُسن شِيَاتِهَا وأعضائها فالحُسْنُ عنك مُغَيَّبُ (۲) -۸- وقد تجد فى كلام المتأخرين الآنَ كلامًا حَمَل صاحبه فرط شغفه المتأخرون وخطوهم في الحرص على البديع بأمور ترجع إلى ما له آسم فى البديع، إلى أن ينسى أنه يتكلم ليفهم ، ويقول ليبين ، ويُخيَّل إليه أنه إذا جَمعَ بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء ، وأن يوقع السامع من طلبه في خَبْطِ عَشْواء ، وربَّما طَمَس بكثرة ما يتكلَّفه على المعنى وأفسده ، كمن ثَقَل العروس بأصناف الحلى حتى ينالها من ذلك مكروه في نفسها . ۹ فإن أردت أن تعرف مثالاً فيما ذكرتُ لك ، من أن العارفين العارفون يحرصون على سلامة المعنى بجواهر الكلام لا يعرجون على هذا الفنّ إلا بعد الثقة بسلامة المعنى وصحته ، وإلا حيثُ يأمنون جنايةً منه عليه ، وانتقاصا له و تعويقًا دونه ، فأنظر إلى خُطب الجاحظ في أوائل كتبه / هذا - والخُطَبُ من شأنها أن يُعتمد فيها الأوزان في أوائل كتبه والأسجاعُ ، فإنها تُروى وتتناقل تَناقُل الأشعار ، ومحلها محل النسيب والتشبيب خط الجاحظ وسيأتى الكلام عندئذ : « وإن الخلقة ... قياس الحلي .. » ، فهو كلام مستقيم جيد ، يطابق ما بعده في الاستشهاد ببيت المتنبي وما يليه . و «الخلقة » هى صورة الإنسان التي خلق عليها ، وجمعها المتنبي في قوله : حولي بكل مكانٍ مِنْهُمُ خِلَقٌ تُخْطِى إذا جئت في استفهامها بمن جمع « خلقة » . وتقول : « هو حسن ا الخِلْقة » ، أي صورة الخَلْقِ . (۱) و « الددان » ، السيف الكليل الذى لا يمضى فى الضريبة ولا يقطع ، ولا خير فيه ، وإنما يُحلى ليبهر وهو كهام ، إنما هو حديد لا سيف (۲) للمتنبى فى ديوانه .