10
V
من الشعر الذى هو كأنه لا يُرَادُ منه إلا الاحتفال في الصنعة ، والدلالة على مقدار شوط القريحة ، والإخبار عن فضل القوة ، والاقتدار على التفنن في الصفة قال في أول كتاب الحيوان :
جَنَّبك الله الشبهة ، وعَصَمَك من الحَيْرة ، وجعل بينك وبين المعرفة سببًا ، وبين الصدق نَسَبًا ، وحبَّب إليك التثبت ، وزَيَّنَ في عينك الإنصاف ، وأذاقك حلاوة التقوى ، وأشعر قلبك عزّ الحق ، وأودع صدرك بَرْدَ اليقين ، وطَرَد عنك ذل اليأس ، وعرَّفك ما فى / الباطل من الذلة ، وما في الجهل من
(۱)
القلة ) . ))
فقد ترك أولا أن يوفق بين ( الشبهة » و « الحيرة » في الإعراب ، ولم يَرَ
أن يقرن ( الخلاف ) إلى ( الإنصاف » ، ويَشْفَعَ « الحق » « بالصدق » ، ولم يُعْنَ بأن يطلب ( لليأس ) قرينة تصل جناحه ، وشيئًا يكون رَدِيفًا له ، لأنه رأى التوفيق بين المعانى أحق ، والموازنة فيها أحسنَ ، ورأى العناية بها حتى تكون إخوةً من أب وأم ؛ ويذَرَها على ذلك تَتَّفقُ بالوداد ، على حسب اتفاقها بالميلاد ، أولى من أن يدعها ، لنصرة السجع وطلب الوزن ، أولادَ عَلَّة ، (۲) عسى أن لا يوجد بينها وفاق إلا فى الظواهر ، فأما أنْ يَتَعدَّى ذلك إلى الضمائر ، ويُخلص إلى العقائد والسرائر ، ففى الأقل النادر
41
.
(۱) الحيوان ۱ : ۳ ، ودلائل الإعجاز : ۹۷
(۲) « أولادُ عَلَّة » ، أبوهم واحدٌ ، وأمهاتهم شتى غير متقاربين