13
أبو الطيب المتنبي
ما كان ينتفع بمعانيه ، عن أن يعد عليه سقطاته ، ويغرى به المترددين عليه الطامعين فى عطاياه ، وما أكثر هؤلاء ! .
ونحب أن ندل هنا على أمرين : الأول : أن آثار كبر أبي الطيب وترفعه لم تظهر جلية واضحة إلا بعد أن اتصل بسيف الدولة ونبه شأنه ؛ فأنت تراه قبل ذلك يمدح قوما لا نباهة لهم ولا ذكر ، وتراه يمدح على أتفه المطايا . وقد تنبه إلى ذلك أبو منصور الثعالى ، فهو يقول : وكان قبل اتصاله يسيف الدونة يمدح القريب والغريب. ويصطاد ما بين الكركى والعندليب ، اهـ . وأبو الطيب معذور فى ذلك ، فإن سيف الدولة قد غمره بعطاياه حتى درت. له أخـلاف الدنيا ، واقى في جواره من الكرامة ما شجا حاسديه ؛ فكان خليقا أن يقول فيه :
تركت السرى خلفى لمن قل ماله وأنعلت أفراسى بنعماك عسجدا وقيدت نفسي في هواك خية ومن وجد الإحسان قـدا تقدا الأمر الثانى : أنه قد اختلط على بعض الناس كثير من مواقف أبي الطيب. فاستبروها كبيرا أو تكبرا ، وليست هي من الكبر في شيء ، وإنما هي عزة النفس والاحتفاظ بالكرامة ، وتقدير المرء نفسه ، وإكرامه إياها ، وكل أولئك من الكبر بالمكان النائى البعيد ، فليس لأحد أن يزعم أن من السكبر إنشاد أبي الطيب سيف الدولة وهو جالس واشتراطه عليه ألا يقبل الأرض بين يديه ؛ إلا أن يكون ممن تختلط الأخلاق في أنظارهم فيرونها بغير المنظار الذي تراها به الناس ، وعسيت أن تسأل بعد ذلك أين ذهبت عزة نفسه حين أنشد كافورا وهو واقف ؟ والجواب على ذلك أن ننبهك إلى أنه فارق سيف الدولة حانقا متبرما ، فلعل وقوفه بين يدى كافور وهو من أعداء سيف الدولة ليثير غيظه ، أو لعله أراد به مصانعة كافور لينال منه الذي وفد عليه من