5
بالثوار ، فعقلت من الأمر يومئذ ما عقلتُ ، ورأيتُ بعيني رجالاً ، وسمعت بأذني آراء ، ، ورضيت بقلبي أو سخطت ، وأعانتني فطرتى بضَرْب من التمييز ، كان يرمج نفسی رجا شديدًا ، وأنا بعد فى غضارة الصَّبا . ولم أكد حتى انطلقت أجوب مجتمعا يفُورُ بالمتناقضات ، ويتشقَّقُ بالصراع المُرّ في ميادين مختلفة : من الدين ، إلى العلم ، إلى الأدب ، إلى الفنّ ، إلى السياسة ، إلى السنن الموروثة = فخُضْتُ مِحْنَة زَماني ، في أوَّل نَشْأَتى ، بنفسٍ غَضَّة مُجرَّحَة بالتجارب . ومضت بي الأيَّامُ ، وأتخنتنى التجارب ، وهلك رجالٌ ، ونشأت رجالٌ ، فرأيتُ وسمعت ، وَرضِيتُ وسخطتُ ، وعلمتُ من أسرار الصراع ما لم أكن أعلم
فصار
حَقًا
على واجبًا أن لا أتلجلج ، أو أُحْجِمَ ، أو أُجَمْجِمَ ، أو أُدارى ، ما دمت قد نَصَبتُ نفسى للدفاع عن أُمَّتى ما استطعتُ إلى ذلك سبيلا = وصار حقًا على واجبًا أن أستخلص تجارب خمسين سنة من عُمُرِي ، قَضَيتُها قلقًا حائرًا ، أصارعُ في نفسى آثار عدوّ خَفِيّ شديد النكاية ، لم يَلْفِتَني عن هَوْل صراعه شيءٌ ، منذ استحكمت قُوَّتى ، واستنارت بصيرتى ، ومنذ استطعتُ أن أهتِكَ السِّثر عن هذا العدوّ الماكر الخبيث = ثم صار حقًا على واجبًا أن لا أعرج على بُنَيَّاتِ الطريق ، إلا بعد أن أجعل الطريق الأعظم الذى تشَعَّبتْ منه ، واضحًا لاحِبًا مُسْتبينا = ثم صار على واجبًا أن لا آلو جُهْدًا فى الكشف عن حقيقة هذا العدوّ ، وعن حقيقة الصراع الذي عانيته وَحْدِى على وجه من الوُجوه ، والذي عانيته مَعَ أُمَّتى العربية والإسلامية على وُجوه أُخَر
* * *
وقد سرتُ فى هذه الفصول المتشعبة المعانى سِيرَةً واحدةً ، فضَمَّنتُ جميعها بَابًا أو أبوابا من النَّظر إلى حقيقة الصراع الذى دار ، ولم يزل يدور على أرضنا ، وفى عقولنا ، وفي ضمير أنفُسنا . وأشرتُ في مواضع كثيرة إلى أنّ هذا الصراع صراع بين حضارتين مختلفتين فى جُذُورهما أشدَّ اختلاف : حضارة طال عليها الزَّمَنُ فَغَفَتْ لا يفزّعُه شيء = وحضارة واتاها الزَّمنُ فهَبَّتْ يقظةً مُتَلفّتةً جريئة ،
غَفْوة آمن مستريح
لا تأمن أحدًا ولا تطمئن إليه ، فلمّا بَدَرتْ بوادر الصراع ، قامت « الغافية » تتمطى
6