23
ودعا إلى حرق هذا الكتاب ومنع قراءته أبو عبد الله محمد بن حمدين قاضي قضاة قرطبة، ورأى فيه هؤلاء الفقهاء حدا لنفوذهم والتنفير منهم والتنقص من قيمتهم، لأنه هاجم أسلوب الفقهاء وطرقهم للوصول إلى المناصب بالفروع الفقهية، واستصدروا منشورا بمنع قراءته، وأمرا بإحراقه .
ولعل هذه الحادثة دفعت المازري أيضا إلى أن يشارك في هذه الحملة المضادة لا للفلسفة وحدها، بل للتصوف والمذهب الإسماعيلي الذي قامت عليه الدولة العبيدية، بالرغم من أن الغزالي أيضا حارب الباطنية الإسماعيلية، وانضم للسلطان السياسي في هذه
المحاربة والذب عن السنة .
وكان الفقهاء المالكية في القيروان أشد مقاومة للمذهب الإسماعيلي الذي حكم البلاد، إلى أن نجحوا في الانفصال عن العبيديين الذين أصبحت عاصمتهم القاهرة، وأسسوا الأزهر لنشر مذهبهم، كما أسس نظام الملك (485هـ) المدارس النظامية في بغداد ومختلف الأقاليم لترسيخ مذهب السنة، والذب عنه علميا وسياسيا، ولذلك اغتيل نظام الملك وقضى عليه أحد فدائيي الباطنية .
وساند المازري فقهاء القيروان الذين أيدوا المذهب الأشعري وربطوه بالمالكية وأصبح هذان العنصران، مع عناصر القومية الإفريقية من مقومات الاتجاه السياسي والاجتماعي، والأيديولوجية الأساسية التي قاومت دولة العبيديين. وقد وجدت الأشعرية قبولا منذ ابن أبي زيد القيرواني (ت 386هـ ) الذي دافع عن أبي الحسن الأشعري (ت324هـ) : «ما الأشعري إلا رجل مشهور بالرد على أهل البدع، وعلى القدرية، وعلى الجهمية، متمسك بالسنن» (1) .
ومن هؤلاء الفقهاء والمحدثين الذين نشروا الأشعرية وناضلوا دونها علي بن محمد بن خلف القابسي (ت 403هـ)، وكتب رسالة في الدفاع عن أبي الحسن الأشعري جاء فيها: اعلموا أن أبا الحسن الأشعري لم يأت من علم الكلام إلا بما أراد به إيضاح السنن والتثبيت عليها (...) وما أبو الحسن إلا واحد من جملة القائمين على نصرة الحق، وما سمعنا من أهل الإنصاف من يؤخره عن رتبة ذلك ولا من يؤثر عليه في عصره غيره. ومن بعده من أهل الحق سلكوا سبيله (...) لقد مات الأشعري يوم أهل السنة باكون عليه، وأهل البدع مستريحون منه (2) .
مات ، و
وهذا ما ساعد الدولة الصنهاجية على القطيعة التي أعلنتها خروجا على حكم
العبيديين .
(1) الشيخ محمد الشاذلي النيفر - مقدمته لكتاب "المعلم" ج 1 ص
(2) المصدر نفسه ج 1 ص
.118
. 119
23