15
وهكذا كان الفقه الإسلامي في القرون المشهود لها بالخير في ازدهار مستمر ،
ونمو متواصل ، وتقدم دائم ، وكانت اجتهادات الأئمة بين الأخذ والعطاء ، والردّ
6
والقبول حتى في أوساط أصحابهم ، إلى أن فشا التقليد في نصف القرن الرابع وبدأ التعصب المذهبي يبيض ويفرخ . ويصوّر الحكيم ولي الله الدهلوي ما حدث في الناس بعد المائة الرابعة قائلا :
ولم يأت قرن بعد ذلك إلا وهو أكثر فتنة ، وأوفر تقليداً ، وأشدّ انتزاعا للأمانة من صدور الرجال حتى اطمأنوا بترك الخوض في أمر الدين ، وبأن يقولوا : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ﴾ [ الزخرف : ٢٢ ] ، وإلى الله المشتكى وهو المستعان ، وبه الثقة ، وعليه التكلان » . (۳۷)
باب محزن من تأريخ المذاهب الفقهية :
نظرة على كتب المذاهب الفقهية ، وسير الأئمة المتبوعين ، وكتابات علماء المذاهب لتقويم مذاهبهم وترجيحها على المذاهب الأخرى تكشف ما بينها من أحقاد متأصلة ، واتهامات متبادلة ، وحروب متطاولة ، وهجمات عنيفة حتى على الأئمة وحط أقدارهم وتسفيه آرائهم، ما يجعل الإنسان المسلم المنصف العادل يتيقن أن قول مقلّدة المذاهب الشائع بينهم : إن المذاهب كلها حق وعلى الصواب » من الدعاوى المجردة التي لا دليل عليها ، والواقع التأريخي يصدق ذلك منذ نشوء التعصب الأعمى للمذاهب حتى يومنا هذا .
وإليكم بعض الأدلة على ما قلناه على سبيل المثال لا الحصر .
(۱) كل حزب بما لديهم فرحون :
كل من
مقلدة المذاهب يدّعي أن الحق ما هو عليه ، وما عليه غيره فباطل
وجوبا
(۳۷) ( الإنصاف ، ( ص ٩٦ )
-17-