13
وكذلك لا يتصور أن إماماً من الأئمة الأعلام ، مهما بلغ من العلم والحفظ ، والضبط والإتقان ، والفضل والوجاهة ، يستقل بالحكم على الشيء ، ويستبد برأيه ، ويفرضه على الآخرين فرضا . قال الله عز وجل نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ﴾ [ يوسف : ٧٦] . وقال : قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) [ الإسراء : ٨٥ ]
وإني أعتقد وأدين بأن الأئمة كانوا أبعد من أن يتصفوا بهذه الصفة الكريهة من الاستبداد بالرأي وفرضه على الآخرين. وكانوا يدورون حيث دار الحق بكل أمانة وإخلاص . فالحق ليس محصوراً في رأي أحد قطعاً إلا النبي المعصوم - - وما أحسن ما ورد عن الإمام أبي حنيفة من قوله عند الإفتاء :
هذا رأي النعمان بن
ثابت - يعني
نفسه . وهو أحسن ما قدرت عليه ،
فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب (۳۰)
ونقل عن الإمام الشافعي أنه قال :
-
ما ناظرت أحدا إلا قلت : اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه ، فإن كان الحق معي اتبعني ، وإن كان الحق معه اتبعته ) . (۳۱)
انطلاقاً من هذا المبدأ العادل من حرية التفكير ، وتقدير رأي الآخرين اختلفت الأئمة فيما بينهم في الأصول . واختلف أصحابهم معهم أيضاً في الأصول كما اختلفوا معهم في الفروع .
(۳۰) ( الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف » (ص ١٠٤)
(۳۱) ( قواعد الأحكام في نصائح الأنام » للعز بن عبد السلام ( ص (١٦٠ ) ، وعنه السيوطي في كتابه
الرد على من أخلد إلى الأرض » ( ص ١٤٠ )
- 14 -