29
وفي جعله إجماعاً ظنّيًّا نظر .
وكونه حجةً وليس بإجماع أبعد من ذلك .
وثانيها : أن يكون ذلك في عصر الصحابة رضي الله عنهم ، فهو أقوى من الأول ، وأولى بأن يكون السكوت منهم دليلاً على الموافقة ، لعلوّ مرتبتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم المذاهبة ، على من بعدهم. وإن لم يكن إجماعاً فالظاهر أنه حجة لما
وثالثها
تقدم
(٤٠)
·
: أن يكون ذلك فيما يتكرر وقوعه ، فهو أولى بأن يكون إجماعاً أو حجة ، لأن تلك الاحتمالات المقدّرة تبعدُ فيه بعداً قوياً . ورابعها : أن يكون فيا تعُمُّ به البَلْوى ، فكون ذلك إجماعاً أقوى مما قبلـه
(٤٠) كان ينبغي أن يضيف المؤلف هنا كون الذي سنّ تلك السنة أحد الخلفاء الراشدين وسكتوا فلم يعترضوا عليه . وهذا عندي أوضح ما يكون في الحجية من هذه المراتب، وإن لم يكن إجماعاً، إلا أنه لما كان قول إمام المسلمين وطاعته لازمة ، ولا يقوله غالباً إلا بعد المشورة ، وفَرضَه فرضاً عاماً ، فذلك أدلُّ ما يكون على التزام الصحابة به رضوا أم كرهوا ، من حيث إنهم يلزمهم طاعة الإمام . وهذه الصورة تدخل قطعاً في الحديث الصحيح « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل ذلك أنه محدثة بدعة » ولا يعني يمتنع تبديل تلك السنة ، بل يجوز تبديلها ، لكن لا يبدلها إلا إمام هدى بعد مشورة أهل العلم والإيمان ، فإذا بدلها لزم الناس طاعته فيما بـدل ، كما أبطل عمر رضي الله عنه العمل بسنة أبي بكر في كيفية قسمة العطاء
ما
ولا يدخل ما يسنّه إمام الهدى في المحدثات التي هي بدع مذمومة ، إن كان قد أحدث تلك السنة باجتهاده مع المشورة فيما لا يخالف كتاباً ولا سنة نبوية ، بل الإحداث المذموم هو سوی ما يسنه إمام الهدى على الطريقة المبينة ، بل يدخُل فيه ما يصنعه أفراد المسلمين تديناً مما لم يُشرع في الكتاب والسنة ، ولا دلاً عليه ، ولا قال به إمـام هـدى . فتلك هي المحدثات المذمومة ، بدليل الحديث المتقدم، وبدليل ما سنه الخلفاء الراشدون من السنن كجمع أبي بكر للقرآن والتراويح التي سنها عمر ، ونهيه عن بيع أمهات الأولاد وكتابة عثمان المصاحف وأذان الجمعة الأول الذي زاده عثمان ، ونحو ذلك مما يسنه إمام الهدى من السنن لمعالجة الظروف الطارئة التي تستدعي تصرفاً معيناً يحصل المصلحة ويدرأ المفسدة ، فتصبح تلك لسنة سنة إسلامية يجب التمسك بها والعض عليها بالنواجذ . والله أعلم .
구
۳۲
9.