595 · ص522 · ج1
ثم تأمَّلْ كيف أفسد عقول مَن أعرض عن رسله وعارض ما أُرسلوا به، فآل بهم فساد تلك العقول إلى ما قصَّه الله عنهم في كتابه. ومن فساد تلك العقول أنهم لم يرضوا بنبيٍّ من النبيين، ورضوا بإلهٍ من الحجر. ومن فساد تلك العقول أنهم استحبوا العمى على الهدى، وآثروا عقوبة الدنيا والآخرة على سعادتهما، وبدَّلوا نعمة الله كفرًا، وأحلُّوا قومهم دار البوار. وأفسد عقول أهل الكتابين بكفرهم بالرَّسول حتى آل أمرهم إلى ما آل.
[وأفسد عقول] ١ الفلاسفة التي قدَّموها على ما جاءت به الرُّسل حتى قالوا ما أضحكوا به كافة العقلاء، وإن كانوا أصحاب صنائع وأفكارٍ استنبطوها ٢ بعقولهم لِعَجْز غيرهم عنها، لكن أفسد عليهم العقلَ الذي يُنال به سعادة الأبد، حتى قالوا في فرية سلسلة الموجودات عن واجب الوجود ما هو بسلسلة المجانين أشبه منه بكلام عقلاء الآدميين.
وجعلوا العالم الذي شهدت عليه شواهد الصنعة والاحتياج والافتقار من كون غالبه مُسخرًا مُدبرًا مقهورًا على حركة لا يمكنه الخروج منها، وعلى مكانٍ لا يمكنه مفارقته، وعلى وضع لا يمكنه أن يزول عنه، وعلى ترتيب شهد العقل والفطرة أن غيره رتَّبه هذا الترتيب ووضعه في هذا الموضع وقهره على هذه ٣ الحركة= وكون سافله منفعلًا غير فاعلٍ، متأثرًا غير مؤثرٍ كل وقتٍ في مبدأ ومعاد، وشواهدُ الفقر والحاجة والحدوث ظاهرةٌ
١ زدته ليستقيم السياق.
٢ «ح»: «واستنبطوها». والواو زائدة.
٣ «ح»: «هذا».
596 · ص523 · ج1
على أجزائه وأنواعه= فجعلوه قديمًا غير مخلوقٍ ولا مصنوعٍ، فعطَّلوه عن صانعه وخالقه.
ثم عطَّلوا الربَّ الذي فطر السماوات والأرض عن صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله، فلم يُثبتوا له ذاتًا ولا صفةً ولا فعلًا ولا تصرُّفًا باختياره في ملكه ١، ولا عالمًا بشيءٍ ممَّا في العالم العلوي والسفلي، وعجَّزوا مَن أنشأ النشأة الأولى أن يُعيدها مرةً ثانيةً.
وفي الحقيقة لم يُثبتوا ربًّا أنشأ شيئًا ولا ينشئه، ولا أثبتوا لله ملائكة ولا رسلًا ولا كلامًا ولا إلهيةً ولا ربوبيةً.
وأمَّا الاتحادية ٢ فأفسد عقولهم فلم يثبتوا ربًّا، وظنوا أن في الخارج إنسانًا ٣ كليًّا، وحيوانا كليًّا، وجعلوا وجود الربِّ وجودًا مطلقًا مجردًا عن الماهيات، وقالوا: لا وجود للمطلق في الخارج. وبالجملة فلم يُصيبوا في الإلهيات في مسألةٍ واحدةٍ، بل قالوا في جميعها ما أضحكوا عليهم العقلاء.
وأمَّا متكلمو الجهمية والمعتزلة فأفسد عقولهم عليهم حتى قالوا ما يسخر العقلاء من قائله، كما تقدَّم التنبيه على اليسير منه ٤:
وقالوا: يتكلم الربُّ بغير كلامٍ يقوم به، وخالقٌ بلا خَلْقٍ يقوم به، وسميع بلا سمع، وبصير بلا بصر ٥، وحيٌّ بلا حياة، وقديرٌ بلا قدرةٍ، ومريدٌ
١ «ح»: «الممكة».
٢ ينظر «الجواب الصحيح» لابن تيمية (٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨).
٣ «ح»: «إنشا».
٤ تقدم (ص ٦٦).
٥ «ح»: «يقوم به وسمع وبصر بلا بصيرة». والمثبت هو الصواب كما تقدم (ص ٤٢٢).