705 · ص466
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة ختم الآية بالاسمين العظمين لله وهما: "العزيز الحكيم"وأن مناسبة ختم الآية بهما أن المقام مقام غضب وانتقام ممن أتخذ عيسى وأمه إلهين من دون الله، فناسب ذكر العزة والحكمة.
وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر لهذه المناسبة وهي: إن ذكرهما من باب الاحتراس لأن ترك عقاب الجاني قد يكون لعجز في القدرة، أو لإهمال ينافي الحكمة فدفع توهم ذلك بذكرهما، أي بذكر هاذين الاسمين فناسب الختم بهما، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: ابن عطية، وأبوالسعود، والبقاعي، والألوسي، وابن عاشور ١.
والقول بأن المناسبة هنا هي أن المغفرة تكون بعزة لا عجز فيها، وحكمة لا إهمال فيها، هو الأحسن من المناسبات؛ إذ مقام التعظيم يقتضي ذلك، والمقام هنا مقام تعظيم لله من عيسى عليه الصلاة والسلام، بالاعتراف بأن الله هو الإله دون غيره من الخلق، وأما أصحاب مقالة
تأليه عيسى وأمه من دون الله، فهؤلاء أمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم مغفرة العزيز الحكيم.
١ انظر: المحرر الوجيز (٥٩٩)، وإرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٥)، ونظم الدرر (٢/ ٥٧٦)، وروح المعاني (٤/ ٦٦)، والتحرير والتنوير (٧/ ١١٧).
706 · ص468
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة جمع الظلمات، وإفراد النور في هذه الآية، وأن مناسبة ذلك أن الظلمات كثيرة الموارد متعددة الطرق بمعنى طرق الضلال كثيرة فناسب جمعها، بينما طريق الحق واحدة فناسب إفرادها.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين منهم: جلال الدين المحلي، والبقاعي، والشوكاني. ١
بينما ذهب ابن كثير إلى أن مناسبة ذلك هو كون النور أشرف ٢، وأشار الألوسي إلى أن المناسبة هنا هي حسن التقابل مع قوله تعالى: (خلق السماوات والأرض) ٣، وذهب الزمخشري، وابن عطية إلى أن المناسبة هنا إرادة الجنس فإفراده بمثابة جمعه. ٤
وذهب ابن عاشور إلى أن المناسبة هنا اتباعاً للاستعمال، خلافاً لما ذهب إليه الزمخشري، فقال: (وإنّما جُمع {الظُّلُمَاتِ} وأفرد {النُّورِ} اتّباعاً للاستعمال، لأنّ لفظ {الظُّلُمَاتِ} بالجمع أخفّ، ولفظ {النُّورِ} بالإفراد أخفّ، ولذلك لم يرد لفظ {الظُّلُمَاتِ} في القرآن إلاّ جمعاً ولم يرد لفظ {النُّورِ} إلاّ مفرداً، وهما معاً دالاّن على الجنس، والتعريف الجنسي يستوي فيه المفرد والجمع فلم يبق للاختلاف سبب لاتّباع الاستعمال، خلافاً لما في "الكشاف") ٥.
وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو أحسن وأقرب المناسبات؛ إذ جمع الظلمات هو المناسب لها سواء كانت الظلمة الحسية لتعددها،
١ انظر: فتح القدير (٢/ ١٢٤)، ونظم الدرر (٢/ ٥٧٩)، وتفسير الجلالين (١٣٧).
٢ انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ١٢٨٣).
٣ انظر: روح المعاني (٤/ ٧٩).
٤ انظر: الكشاف (٣١٨)، والمحرر الوجيز (٦٠١).
٥ انظر: التحرير والتنوير (٧/ ١٢٧).