← المكتبة ▭▭ صفحتان
البلاغة العربية
الميداني، عبد الرحمن حبنكة البلاغة 1425 هـ
A− A+
929 · ص486 · ج1
ثانياً: ومن أمثلة الانتقال من التكلّم إلى الغيبة مايلي: * قول الله عزّ وجلّ في سورة (الكوثر/ ١٠٨ مصحف/ ١٥ نزول) : {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر} [الآيات: ١ - ٢] . فقد جاء الكلام أوّلاً على طريقة التكلُّم: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ} ثُمَّ انْتَقَل إلى أسلوب الحديث عن الغائب: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} ولم يَقُلْ: فَصَلِّ لنا. والحكمة من هذا الالتفات التذكير بحقِّ الرّبّ الْمُنْعِم بعطاءات الربوبيَّة في أن يَعْبُدَهُ عبادُهُ ويُصَلُّوا له، مع الاقتصاد في التعبير، والإِيْجاز في القول. * وقول الله عزّ وجلّ في سورة (الزمر/ ٣٩ مصحف/ ٥٩ نزول) : {*قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم} [الآية: ٥٣] . كان مقتضى الظاهر أن يأتي التعبير: لا تقنطوا من رحمتي إنّي أغْفِرُ الذُّنوب جميعاً. ولكن حصل العدول عنه إلى {مِن رَّحْمَةِ الله ... } للإِشعار بأنّ من صفات الله الجليل العظيم أن يغفر ذنوب مَنْ يُنيبون إلى رَبِّهِمْ ويسلمون له، كما جاء في الآية التالية من السورة، مع الإِيجاز والاقتصاد في العبارة. * وقول الله عزّ وجلّ في سورة (الدخان/ ٤٤ مصحف/ ٦٤ نزول) : {حم* والكتاب المبين * إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم} [الآيات: ١ - ٦] . بدأ الأسلوب في هذا النّصّ عَلى طَرِيقة حديث المتكلّم عن نفسه: {إِنَّا أنْزَلْنَاهُ - إنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ - أمراً من عِنْدِنا - إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} .