المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الأول
( وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْمَقْبَرَةِ ) هِيَ بِتَثْلِيثِ الْبَاءِ ، لَكِنْ بِفَتْحِهَا هُوَ الْقِيَاسُ ، وَبِضَمِّهَا الْمَشْهُورُ ، وَبِكَسْرِهَا قَلِيلٌ ، وَالشَّيْءُ إِذَا كَثُرَ فِي مَكَانٍ جَازَ أَنْ يُبْنَى مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِهِمْ : أَرْضٌ مَسْبَعَةٌ إِذَا كَثُرَ فِيهَا السِّبَاعُ ( وَالْحَمَّامُ ) مُشَدَّدٌ وَاحِدُ الْحَمَّامَاتِ الْمَبْنِيَّةِ ( وَالْحَشُّ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمَّهَا الْبُسْتَانُ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَخْرَجِ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ فِي الْبَسَاتِينِ ، وَهِيَ الْحُشُوشُ ، فَسُمِّيَتِ الْأَخْلِيَةُ فِي الْحَضَرِ حُشُوشًا بِذَلِكَ ( وَأَعْطَانُ الْإِبِلِ ) وَاحِدُهَا عَطَنٌ بِفَتْحِ الطَّاءِ ، وَهِيَ الْمَعَاطِنُ الْوَاحِدُ مَعْطِنٌ بِكَسْرِهَا ( وَهِيَ الَّتِي تُقِيمُ فِيهَا ، وَتَأْوِي إِلَيْهَا ) قَالَهُ أَحْمَدُ ، وَقِيلَ : مَكَانُ اجْتِمَاعِهَا إِذَا صَدَرَتْ عَنِ الْمَنْهَلِ ، زَادَ بَعْضُهُمْ : وَمَا تَقِفُ فِيهِ لِتَرِدَ الْمَاءَ ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " : وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ ، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ مَرَاحِ الْغَنَمِ لَا نُزُولِهَا فِي سَيْرِهَا . قَالَ جَمَاعَةٌ : أَوْ لِعَلَفِهَا لِلنَّهْيِ ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ ، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا ، إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَقَالَ : أَسَانِيدُهُ صَحِيحَةٌ ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : خَبَرٌ صَحِيحٌ ، وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : لَمْ نَرَ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صَحِيحٌ ، وَالْمَنْعُ مِنْهَا تَعَبُّدٌ ، فَيَتَنَاوَلُ مَا يَقَعُ 394 عَلَيْهِ الِاسْمُ ، وَفِي آخَرَ بِأَنَّهَا مَظِنَّةُ النَّجَاسَةِ ، فَأُقِيمَتْ مَقَامَهَا ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَا تَصِحُّ فِي الْمَقْبَرَةِ كَغَيْرِهَا ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَعَنْهُ : يُكْرَهُ ، ذَكَرَهَا السَّامِرِيُّ ، وَفِي ثَالِثَةٍ ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ : صِحَّتُهَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ ، فَعَلَى هَذَا يُسْتَثْنَى ، وَلَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ ، تَكَرَّرَ نَبْشُهَا أَوْ لَا ، وَلَا يَضُرُّ قَبْرَانِ ، لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهَا الِاسْمُ ، وَقِيلَ : بَلَى ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَهُوَ أَظْهَرُ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هَلْ تُسَمَّى مَقْبَرَةً أَمْ لَا ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْخَشْخَاشَةَ فِيهَا جَمَاعَةُ قَبْرٍ وَاحِدٍ ، فَلَا تَمْنَعُ كَمَا لَوْ دُفِنَ بِدَارِهِ مَوْتَى ، وَنَصَّ أَحْمَدُ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ : أَنَّهُ لَا يُصَلَّى فِي مُشَلَّحِ حَمَّامٍ ، وَمِثْلُهُ أَتُونُهُ ، وَمَا تَبِعَهُ فِي بِيَعٍ ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ الصَّلَاةَ فَوْقَ الْحَمَّامِ ، وَالصَّحِيحُ : قَصْرُ النَّهْيِ عَلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ ، وَأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ ، لِأَنَّ الْحُكْمَ إِنْ كَانَ تَعَبُّدًا لَمْ يُقَسْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ عُلِّلَ فَإِنَّمَا يُعَلَّلُ بِمَظِنَّةِ النَّجَاسَةِ ، وَلَا يُتَخَيَّلُ هَذَا فِي أَسْطِحَتِهَا ، لَكِنْ يُصَلَّى فِيهَا لِلْعُذْرِ ، وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهَا مَنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ ، وَلَوْ فَاتَ الْوَقْتُ ، وَالْحَشُّ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِ بِالتَّنْبِيهِ لِكَوْنِهِ مُعَدًّا لِلنَّجَاسَةِ ، وَمَقْصُودًا لَهَا ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ مُنِعَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمِنَ الْكَلَامِ فِيهِ ، فَمَنْعُ الصَّلَاةِ فِيهِ أَوْلَى ، وَقَالَ فِي " الْمُغْنِي " : لَا أَعْلَمُ فِيهِ نَصًّا ( وَالْمَوْضِعُ الْمَغْصُوبُ ) عَلَى الْمَذْهَبِ ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ أَتَى بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، فَلَمْ تَصِحَّ كَصَلَاةِ الْحَائِضِ ، وَلَا فَرْقَ فِي الْغَصْبِ بَيْنَ دَعْوَى الْمِلْكِ أَوِ الْمَنْفَعَةِ ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا إِذَا أَخْرَجَ سَابَاطًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَحِلُّ لَهُ ، أَوْ غَصَبَ رَاحِلَةً وَصَلَّى عَلَيْهَا ، أَوْ سَفِينَةً أَوْ لَوْحًا فَجَعَلَهُ سَفِينَةً ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ، أَوْ مَسْجِدًا وَغَيَّرَهُ عَنْ هَيْئَتِهِ ، أَوْ بَسَطَ طَاهِرًا عَلَى أَرْضٍ 395 مَغْصُوبَةٍ أَوْ مَغْصُوبًا عَلَى أَرْضٍ مُبَاحَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرِ الْمَسْجِدَ عَنْ هَيْئَتِهِ ، بَلْ مَنَعَ النَّاسَ الصَّلَاةَ فِيهِ ، فَصَلَاتُهُ فِيهِ صَحِيحَةٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَا يُضَمِّنُهُ بِذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَتِ الْأَبْنِيَةُ مَغْصُوبَةً ، وَالْبُقْعَةُ حَلَالًا فَرِوَايَتَانِ ، وَقِيلَ : هَذَا إِنِ اسْتَنَدَ إِلَيْهَا ، وَإِلَّا كُرِهَتْ وَصَحَّتْ ، فَإِنْ صَلَّى فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِلَا إِذْنِهِ ، أَوْ صَلَّى عَلَى مُصَلَّاهُ بِلَا إِذْنِهِ ، وَلَمْ يَغْصِبْهُ ، أَوْ أَقَامَ غَيْرَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَصَلَّى فِيهِ ، فَوَجْهَانِ ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْجُمْعَةُ ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ فِي مَوْضِعِ غَصْبٍ ، نُصَّ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِبُقْعَتِهِ ، وَفِي طَرِيقِ ضَرُورَةٍ وَحَافَّتَيْهَا ، نُصَّ عَلَيْهَا ، وَعَلَى رَاحِلَةٍ فِيهَا ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ ، وَطَرِيقِ أَبْيَاتٍ يَسِيرَةٍ ، وَكَذَا عِيدٌ وَجِنَازَةٌ ، جَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَقِيلَ : وَكُسُوفٌ ، وَاسْتِسْقَاءٌ ( وَعَنْهُ : تَصِحُّ ) فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، فَأَيَّمَا رَجُلٌ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ طَاهِرٌ ، فَصَحَّتِ الصَّلَاةُ فِيهِ كَالصَّحْرَاءِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ أَمَرُوا بِإِعَادَتِهَا ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى ، وَفِي يَدِهِ خَاتَمُ ذَهَبٍ ( مَعَ التَّحْرِيمِ ) لِلنَّهْيِ ، وَعَنْهُ : مَعَ الْكَرَاهَةِ وِفَاقًا ، وَعَنْهُ : لَا تَصِحُّ إِنْ عُلِمَ النَّهْيُ لِخَفَاءِ دَلِيلِهِ ، وَقِيلَ : إِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ صَحَّتْ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith