المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء السابع
( وَإِنْ قَالَ لَهَا : اخْتَارِي نَفْسَكِ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ ) رَجْعِيَّةٍ ، حَكَاهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَغَيْرِهِمْ ؛ وَلِأَنَّ اخْتَارِي تَفْوِيضٌ مُعَيَّنٌ ، فَيَتَنَاوَلُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، وَهُوَ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ ؛ لِأَنَّهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ مُضَافٌ إِلَيْهَا ، فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَمْرِهَا ( إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ إِلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ) كَاخْتَارِي مَا شِئْتِ أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ نِيَّتُهُ ، وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ بِقَوْلِهِ : اخْتَارِي عَدَدًا ، فَإِنَّهُ يُرْجَعُ إِلَى مَا نَوَاهُ ؛ لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ ( وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ إِلَّا مَا دَامَتْ فِي الْمَجْلِسِ ) وَظَاهِرُهُ : وَلَوْ طَالَ ( وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ ) ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّخْيِيرَ عَلَى الْفَوْرِ . رَوَاهُ النَّجَّادُ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرٍ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ . وَقِيلَ : مُتَرَاخٍ كَالْأَمْرِ ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ : إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَلَّا 287 تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ وَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا ؛ وَلِأَنَّهُ خِيَارُ تَمْلِيكٍ ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ كَخِيَارِ الْقَبُولِ ، وَأَمَّا الْخَبَرُ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ عَلَى التَّرَاخِي ، وَخِلَافُنَا فِي الْمُطَلِّقِ ، وَ " أَمْرُكِ بِيَدِكِ " تَوْكِيلٌ ، وَالتَّوْكِيلُ يَعُمُّ الزَّمَانَ مَا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَيْدٍ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَعَنْهُ : إِنْ لَمْ يَتَّصِلِ الْجَوَابُ ، لَمْ يَقَعْ ، وَشَرْطُهُ مَا لَمْ يَشْتَغِلَا بِقَاطِعٍ ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّشَاغُلِ يَكُونُ إِعْرَاضًا عَنْ قَوْلِهِ : اخْتَارِي ، وَمِنَ الْمَقُولِ لَهَا إِعْرَاضًا عَنِ الْقَبُولِ ، أَشْبَهَ مَا لَوِ افْتَرَقَا ( فَإِنْ جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ الْيَوْمَ كُلَّهُ ) جَازَ ( أَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا فِي يَدِهَا فَرَدَّتْهُ ) بَطَلَ كَالْوَكِيلِ ( أَوْ رَجَعَ فِيهِ أَوْ وَطِئَهَا ، بَطَلَ خِيَارُهَا - هَذَا الْمَذْهَبُ ) الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ : أَنَّ أَمْرَكِ بِيَدِكِ عَلَى التَّرَاخِي ، وَاخْتَارِي عَلَى الْفَوْرِ ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا تَنْفَسِخَ الْوَكَالَةُ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ دَارٍ وَسَكَنَهَا ( وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَجْهًا مِثْلَ حُكْمِ الْأُخْرَى ) أَيْ : يُقَاسُ كُلٌّ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةِ حُكْمَيْنِ ، الْأَوَّلُ عَلَى التَّرَاخِي ، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ ثَلَاثًا ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْفَوْرُ ، وَأَنْ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ إِلَّا بِشَرْطِهِ ، قُلْتُ : كَلَامُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي كِتَابِهِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ لَا يَقْتَضِي تَخْرِيجَ الْعَدَدِ مِنْ إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ نَفْيُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ الْفَرْقِ مِنْ حَيْثُ التَّرَاخِي وَالْفَوْرِ - لَا مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ .
تَنْبِيهٌ : إِذَا قَالَ : اخْتَارِي الْيَوْمَ ، وَغَدًا ، وَبَعْدَ غَدٍ - فَلَهَا ذَلِكَ ، فَإِنْ رَدَّتْهُ فِي الْأَوَّلِ بَطَلَ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ وَاحِدٌ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ : اخْتَارِي الْيَوْمَ بَعْدَ غَدٍ ، فَإِنَّهَا إِذَا رَدَّتْهُ فِي الْأَوَّلِ لَمْ يَبْطُلْ بَعْدَ غَدٍ ؛ لِأَنَّهُمَا خِيَارَانِ يَنْفَصِلُ أَحَدُهُمَا 288 عَنْ صَاحِبِهِ ، فَإِنْ نَوَى - بِقَوْلِهِ : اخْتَارِي نَفْسَكِ - إِيقَاعَ الثَّلَاثِ ، وَقَعَ ، وَإِنْ كَرَّرَ اخْتَارِي ثَلَاثًا ، فَإِنْ أَرَادَ إِفْهَامَهَا وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةٌ - فَوَاحِدَةٌ ، وَإِلَّا فَثَلَاثٌ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَرِوَايَتَانِ ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " ، فَلَوْ خَيَّرَهَا شَهْرًا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا - لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ خِيَارٌ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ الْمَشْرُوطَ فِي عَقْدٍ لَا يَثْبُتُ فِي عَقْدٍ سِوَاهُ كَالْبَيْعِ .
فَرْعٌ : إِذَا قَالَ : اخْتَارِي نَفْسَكِ يَوْمًا ، فَابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ تُطْلَقُ إِلَى مِثْلِهِ مِنَ الْغَدِ ، وَإِنْ قَالَ : شَهْرًا ، فَمِنْ سَاعَةِ نَطَقَ إِلَى اسْتِكْمَالِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إِلَى مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ .
( وَلَفْظُهُ الْأَمْرُ وَالْخِيَارُ كِنَايَةٌ ) ظَاهِرَةٌ وَخَفِيَّةٌ ( فِي حَقِّ الزَّوْجِ ، يَفْتَقِرُ ) وُقُوعُ الطَّلَاقِ ( إِلَى نِيَّتِهِ ) ؛ لِأَنَّ كِلَاهُمَا يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ عَلَى مَا مَضَى ، وَكَذَا كَذِبُهُ بَعْدَ سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ ( فَإِنْ قَبِلَتْهُ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ نَحْوَ : اخْتَرْتُ نَفْسِي ، افْتَقَرَ إِلَى نِيَّتِهَا أَيْضًا ) ؛ لِأَنَّهَا مُوقِعَةٌ لِلطَّلَاقِ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ ، فَافْتُقِرَ إِلَى نِيَّتِهَا كَالزَّوْجِ ، فَلَوْ قَالَتِ : اخْتَرْتُ نَفْسِي ، وَأَنْكَرَ وَجُودَهُ - قُبِلَ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى دُخُولِ الدَّارِ ، فَادَّعَتْهُ وَأَنْكَرَ ( وَإِنْ قَالَتْ : طَلَّقْتُ نَفْسِي - وَقَعَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ) ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ كَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَيَقَعُ مِنَ الْعَدَدِ مَا نَوَيَاهُ دُونَ مَا نَوَاهُ أَحَدُهُمَا ، وَإِنْ نَوَى أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَقَعْ ؛ لِفَقْدِ النِّيَّةِ ( وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي نِيَّتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ) ؛ لِأَنَّهَا أَعْلَمُ بِنِيَّتِهَا ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ جِهَتِهَا ( وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي رُجُوعِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ) ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ ، كَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي نِيَّتِهِ .
تَنْبِيهٌ : إِذَا قَالَ : اخْتَارِي الْيَوْمَ ، وَغَدًا ، وَبَعْدَ غَدٍ - فَلَهَا ذَلِكَ ، فَإِنْ رَدَّتْهُ فِي الْأَوَّلِ بَطَلَ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ وَاحِدٌ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ : اخْتَارِي الْيَوْمَ بَعْدَ غَدٍ ، فَإِنَّهَا إِذَا رَدَّتْهُ فِي الْأَوَّلِ لَمْ يَبْطُلْ بَعْدَ غَدٍ ؛ لِأَنَّهُمَا خِيَارَانِ يَنْفَصِلُ أَحَدُهُمَا 288 عَنْ صَاحِبِهِ ، فَإِنْ نَوَى - بِقَوْلِهِ : اخْتَارِي نَفْسَكِ - إِيقَاعَ الثَّلَاثِ ، وَقَعَ ، وَإِنْ كَرَّرَ اخْتَارِي ثَلَاثًا ، فَإِنْ أَرَادَ إِفْهَامَهَا وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةٌ - فَوَاحِدَةٌ ، وَإِلَّا فَثَلَاثٌ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَرِوَايَتَانِ ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " ، فَلَوْ خَيَّرَهَا شَهْرًا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا - لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ خِيَارٌ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ الْمَشْرُوطَ فِي عَقْدٍ لَا يَثْبُتُ فِي عَقْدٍ سِوَاهُ كَالْبَيْعِ .
فَرْعٌ : إِذَا قَالَ : اخْتَارِي نَفْسَكِ يَوْمًا ، فَابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ تُطْلَقُ إِلَى مِثْلِهِ مِنَ الْغَدِ ، وَإِنْ قَالَ : شَهْرًا ، فَمِنْ سَاعَةِ نَطَقَ إِلَى اسْتِكْمَالِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إِلَى مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ .
( وَلَفْظُهُ الْأَمْرُ وَالْخِيَارُ كِنَايَةٌ ) ظَاهِرَةٌ وَخَفِيَّةٌ ( فِي حَقِّ الزَّوْجِ ، يَفْتَقِرُ ) وُقُوعُ الطَّلَاقِ ( إِلَى نِيَّتِهِ ) ؛ لِأَنَّ كِلَاهُمَا يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ عَلَى مَا مَضَى ، وَكَذَا كَذِبُهُ بَعْدَ سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ ( فَإِنْ قَبِلَتْهُ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ نَحْوَ : اخْتَرْتُ نَفْسِي ، افْتَقَرَ إِلَى نِيَّتِهَا أَيْضًا ) ؛ لِأَنَّهَا مُوقِعَةٌ لِلطَّلَاقِ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ ، فَافْتُقِرَ إِلَى نِيَّتِهَا كَالزَّوْجِ ، فَلَوْ قَالَتِ : اخْتَرْتُ نَفْسِي ، وَأَنْكَرَ وَجُودَهُ - قُبِلَ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى دُخُولِ الدَّارِ ، فَادَّعَتْهُ وَأَنْكَرَ ( وَإِنْ قَالَتْ : طَلَّقْتُ نَفْسِي - وَقَعَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ) ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ كَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَيَقَعُ مِنَ الْعَدَدِ مَا نَوَيَاهُ دُونَ مَا نَوَاهُ أَحَدُهُمَا ، وَإِنْ نَوَى أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَقَعْ ؛ لِفَقْدِ النِّيَّةِ ( وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي نِيَّتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ) ؛ لِأَنَّهَا أَعْلَمُ بِنِيَّتِهَا ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ جِهَتِهَا ( وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي رُجُوعِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ) ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ ، كَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي نِيَّتِهِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith