المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الأول
page 172 · printed p. 253 · commentary
( وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً ) الْمُرَادُ بِالنَّفْسِ السَّائِلَةِ الدَّمُ السَّائِلُ ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الدَّمَ نَفْسًا ، وَمِنْهُ قِيلَ : لِلْمَرْأَةِ نُفَسَاءُ ، لِسَيَلَانِ دَمِهَا عِنْدَ الْوِلَادَةِ ، وَيُقَالُ : نُفِسَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا حَاضَتْ ، وَسُمِّيَ الدَّمُ نَفْسًا لِنَفَاسَتِهِ فِي الْبَدَنِ ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : النَّفْسُ ذَاتُ الشَّيْءِ وَحَقِيقَتُهُ ، يُقَالُ : عِنْدِي كَذَا نَفْسًا ، ثُمَّ قِيلَ لِلْقَلْبِ : نَفْسٌ ، لِأَنَّ النَّفْسَ بِهِ ، كَقَوْلِهِمْ : الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ ( كَالذُّبَابِ ) هُوَ هُنَا الْمَعْرُوفُ ، وَهُوَ مُفْرَدٌ ، وَجَمْعُهُ ذِبَّانٌ أَذِبَّةٌ ، وَلَا يُقَالُ ذُبَابَةٌ ( وَغَيْرِهِ ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ أَوِ الْبَحْرِ كَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَالْعَلَقِ وَالسَّرَطَانِ وَنَحْوِهَا ، فَإِنَّهَا لَا تَنْجُسُ بِالْمَوْتِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ الْيَسِيرُ بِمَوْتِهَا فِيهِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً ، وَفِي الْآخَرِ دَاءً رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَالظَّاهِرُ مَوْتُهُ بِالْغَمْسِ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الطَّعَامُ حَارًّا ، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَعِيشُ غَالِبًا ، وَلَوْ نَجَّسَ الطَّعَامَ لَأَفْسَدَهُ ، فَيَكُونُ أَمْرًا بِإِفْسَادِ الطَّعَامِ ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ ، لِأَنَّهُ قَصَدَ بِغَمْسِهِ إِزَالَةَ ضَرَرِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ ، أَشْبَهَ دُودَ الْخَلِّ إِذَا مَاتَ فِيهِ ، وَالثَّانِيَةُ : نَجِسٌ 253 لَا يُؤْكَلُ لَا لِحُرْمَتِهِ ، أَشْبَهَ الْحِمَارَ ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَعَنْهُ : يَنْجُسُ إِنْ لَمْ يُؤْكَلْ ، فَيَنْجُسُ بِهِ الْمَاءُ الْقَلِيلُ فِي الْأَصَحِّ إِنْ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ غَالِبًا ، وَقُلْنَا : يَنْجُسُ الْقَلِيلُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ دُونَ تَغَيُّرِهِ ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنَ النَّجَاسَةِ كَدُودِ الْحُشِّ ، وَصَرَاصِرِهِ ، فَهُوَ نَجِسٌ حَيًّا وَمَيِّتًا ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " : إِلَّا إِذَا قُلْنَا إِنَّ النَّجَاسَةَ تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ ، وَلَا يَرِدُ هَذَا عَلَى الْمَتْنِ ، لِأَنَّ مَوْتَهُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ شَيْئًا ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ .
تَنْبِيهٌ : مَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ ضَرْبَانِ : نَجِسٌ فِي الْحَيَاةِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ ، إِذْ مَوْتُهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا خُبْثًا ، وَطَاهِرٌ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ : آدَمِيٌّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ ، وَمَا تُبَاحُ مَيْتَتُهُ كَسَمَكٍ وَنَحْوِهِ فَلَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ ، لِأَنَّهُ لَوْ نَجُسَ بِهِ لَمْ يُبَحْ أَكْلُهُ ، وَعَنْهُ : نَجَاسَةُ الطَّافِي ، وَإِنْ مَاتَ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ ، وَقُلْنَا : يَحْرُمُ الطَّافِي ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، بِنَاءً عَلَى نَجَاسَةِ دَمِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَمٌ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَمَا لَا تُبَاحُ مَيْتَتُهُ كَحَيَوَانِ الْبَرِّ الْمَأْكُولِ ، وَحَيَوَانِ الْبَحْرِ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ كَالضِّفْدَعِ وَالتِّمْسَاحِ وَنَحْوِهِمَا ، فَيَنْجُسُ بِالْمَوْتِ ، وَيَنْجُسُ الْمَاءُ الْيَسِيرُ لِمُلَاقَاتِهِ ، وَالْكَثِيرُ بِتَغَيُّرِهِ ، وَلِلْوَزَغِ نَفْسٌ سَائِلَةٌ ، نَصَّ عَلَيْهِ كَالْحَيَّةِ لَا الْعَقْرَبِ ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " فِي دُودِ الْقَزِّ وَبَزْرِهِ وَجْهَانِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith