روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الأول
page 6 · printed p. 19
19 فَصْلٌ
فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ
اعْلَمْ أَنَّ الرَّاكِدَ : قَلِيلٌ ، وَكَثِيرٌ ، فَالْكَثِيرُ : قُلَّتَانِ ، وَالْقَلِيلُ : دُونَهُ . وَالْقُلَّتَانِ : خَمْسُ قِرَبٍ . وَفِي قَدْرِهَا بِالْأَرْطَالِ أَوْجُهٌ . الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ : خَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ . وَالثَّانِي : سِتُّمِائَةٍ . قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ . وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ ، وَالْغَزَالِيُّ . وَالثَّالِثُ : أَلْفُ رَطْلٍ . قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ . وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ تَقْرِيبٌ ، فَلَا يَضُرُّ نُقْصَانُ الْقَدْرِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ بِنُقْصَانِهِ تَفَاوُتٌ فِي التَّغَيُّرِ بِالْقَدْرِ الْمُعَيَّنِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُغَيَّرَةِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ تَحْدِيدٌ : فَيَضُرُّ أَيُّ شَيْءٍ نَقَصَ .
قُلْتُ : الْأَشْهَرُ - تَفْرِيعًا عَلَى التَّقْرِيبِ - أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ نَقْصِ رَطْلَيْنِ ، وَقِيلَ : ثَلَاثَةٌ وَنَحْوُهَا ، وَقِيلَ : مِائَةُ رَطْلٍ . وَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ نَجَاسَةٌ وَشَكَّ : هَلْ هُوَ قُلَّتَانِ ، أَمْ لَا ؟ فَالَّذِي جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ ( الْحَاوِي ) وَآخَرُونَ : أَنَّهُ نَجِسٌ ، لِتَحَقُّقِ النَّجَاسَةِ . وَلِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِيهِ احْتِمَالَانِ ، وَالْمُخْتَارُ ، بَلِ الصَّوَابُ : الْجَزْمُ بِطَهَارَتِهِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ ، وَشَكَكْنَا فِي نَجَاسَةٍ مُنَجِّسَةٍ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ . وَقَدْرُ الْقُلَّتَيْنِ بِالْمِسَاحَةِ : ذِرَاعٌ وَرُبُعٌ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
20 ثُمَّ الْمَاءُ الْقَلِيلُ يَنْجُسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ الْمُؤَثِّرَةِ ، تَغَيَّرَ أَمْ لَا . وَأَمَّا غَيْرُ الْمُؤَثِّرَةِ ، كَالْمَيْتَةِ الَّتِي لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةً ، وَنَجَاسَةٍ لَا يُدْرِكُهَا طَرْفٌ ، وَوُلُوغِ هِرَّةٍ تَنْجُسُ فَمُهَا ثُمَّ غَابَتْ وَاحْتُمِلَ طَهَارَتُهُ ، فَلَا يَنْجُسُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، كَمَا سَبَقَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، وَسَيَأْتِي الْأُخْرَيَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَاخْتَارَ الرُّويَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا : أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ ، وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ ، الْأَوَّلُ .
وَأَمَّا الْكَثِيرُ ، فَيَنْجُسُ بِالتَّغَيُّرِ بِالنَّجَاسَةِ لِلْإِجْمَاعِ ، سَوَاءً قَلَّ التَّغَيُّرُ أَمْ كَثُرَ ، وَسَوَاءً تَغَيَّرَ الطَّعْمُ أَوِ اللَّوْنُ أَوِ الرَّائِحَةُ ، وَكُلُّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ هَاهُنَا ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّاهِرِ . وَسَوَاءً كَانَتِ النَّجَاسَةُ الْمُلَاقِيَةُ مُخَالِطَةً أَمْ مُجَاوِرَةً ، وَفِي الْمُجَاوَرَةِ وَجْهٌ شَاذٌّ : أَنَّهَا لَا تُنَجِّسُهُ .
وَأَمَّا إِذَا تَرَوَّحَ الْمَاءُ بِجِيفَةٍ مُلْقَاةٍ عَلَى شَطِّ النَّهْرِ ، فَلَا يَنْجُسُ ، لِعَدَمِ الْمُلَاقَاةِ ، وَإِنْ لَاقَى الْكَثِيرُ النَّجَاسَةَ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ لِقِلَّةِ النَّجَاسَةِ وَاسْتِهْلَاكِهَا ، لَمْ يَنْجُسْ ، وَيُسْتَعْمَلُ جَمِيعُهُ عَلَى الصَّحِيحِ . وَعَلَى وَجْهٍ يُبَقَّى قَدْرُ النَّجَاسَةِ . وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ لِمُوَافَقَتِهَا الْمَاءَ فِي الْأَوْصَافِ ، قُدِّرَ بِمَا يُخَالِفُ ، كَمَا سَبَقَ فِي ( بَابِ الطَّاهِرِ ) . وَأَمَّا إِذَا تَغَيَّرَ بَعْضُهُ ، فَالْأَصَحُّ نَجَاسَةُ جَمِيعِ الْمَاءِ ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي ( الْمُهَذَّبِ ) وَغَيْرِهِ . وَفِي وَجْهٍ لَا يَنْجُسُ إِلَّا الْمُتَغَيِّرُ .
قُلْتُ : الْأَصَحُّ مَا قَالَهُ الْقَفَّالُ ، وَصَاحِبُ " التَّتِمَّةِ " وَآخَرُونَ : أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ ، كَنَجَاسَةٍ جَامِدَةٍ . فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي دُونَ قُلَّتَيْنِ ، فَنَجِسٌ وَإِلَّا ، فَطَاهِرٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ إِنْ زَالَ تَغَيُّرُ الْمُتَغَيِّرِ بِالنَّجَاسَةِ بِنَفْسِهِ ، طَهُرَ عَلَى الصَّحِيحِ . وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ : لَا يَطْهُرُ . وَهُوَ شَاذٌّ . وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ ، لِطَرْحِ الْمِسْكِ 21 فِيهِ ، أَوْ طَعْمُهَا ، لِطَرْحِ الْخَلِّ ، أَوْ لَوْنُهَا ، لِطَرْحِ الزَّعْفَرَانِ ، لَمْ يَطْهُرْ بِالِاتِّفَاقِ . وَإِنْ ذَهَبَ التَّغَيُّرُ بِطَرْحِ التُّرَابِ ، فَقَوْلَانِ : أَظْهَرُهُمَا لَا يَطْهُرُ ، لِلشَّكِّ فِي زَوَالِ التَّغَيُّرِ . وَإِنْ ذَهَبَ بِالْجِصِّ وَالنُّورَةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَا يَغْلُبُ وَصْفَ التَّغَيُّرِ ، فَهُوَ كَالتُّرَابِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقِيلَ : كَالْمِسْكِ . ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ : الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ التُّرَابِ إِذَا كَانَ التَّغَيُّرُ بِالرَّائِحَةِ . وَأَمَّا تَغَيُّرُ اللَّوْنِ ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ التُّرَابُ قَطْعًا . وَالْأُصُولُ الْمُعْتَمَدَةُ سَاكِتَةٌ عَنْ هَذَا التَّفْصِيلِ .
قُلْتُ : بَلْ قَدْ صَرَّحَ الْمَحَامِلِيُّ ، وَالْفُورَانِيُّ ، وَآخَرُونَ : بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي التَّغَيُّرِ بِالصِّفَاتِ الثَّلَاثِ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي ( شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
النَّجَاسَةُ الَّتِي لَا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ ، كَنُقْطَةِ خَمْرٍ ، وَبَوْلٍ يَسِيرَةٍ ، لَا تُبْصَرُ لِقِلَّتِهَا وَكَذُبَابَةٍ تَقَعُ عَلَى نَجَاسَةٍ ، ثُمَّ تَطِيرُ عَنْهَا ، هَلْ يُنَجِّسُ الْمَاءَ وَالثَّوْبَ كَالنَّجَاسَةِ الْمُدْرَكَةِ ، أَمْ يُعْفَى عَنْهَا ؟ فِيهِ سَبْعُ طُرُقٍ : أَحَدُهَا : يُعْفَى عَنْهَا فِيهِمَا . وَالثَّانِي : لَا . وَالثَّالِثُ : فِيهِمَا قَوْلَانِ . وَالرَّابِعُ : تُنَجِّسُ الْمَاءَ ، وَفِي الثَّوْبِ قَوْلَانِ ، وَالْخَامِسُ : يُنَجِّسُ الثَّوْبَ ، وَفِي الْمَاءِ قَوْلَانِ ، وَالسَّادِسُ : يُنَجِّسُ الْمَاءَ دُونَ الثَّوْبِ . وَالسَّابِعُ : عَكْسُهُ . وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ الْعَفْوَ فِيهِمَا ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ - عِنْدَ الْمُعْظَمِ - خِلَافُهُ .
قُلْتُ : الْمُخْتَارُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مَا اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 22 فَرْعٌ
الْمَاءُ الْقَلِيلُ النَّجِسُ إِذَا كُوثِرَ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ ، نُظِرَ ، إِنْ كُوثِرَ بِغَيْرِ الْمَاءِ ، لَمْ يَطْهُرْ ، بَلْ لَوْ كَمَّلَ الطَّاهِرُ النَّاقِصَ عَنْ قُلَّتَيْنِ بِمَاءِ وَرْدٍ بَلَغَهُمَا بِهِ وَصَارَ مُسْتَهْلَكًا ، ثُمَّ وَقَعَ فِيهِ نَجَاسَةٌ ، نَجُسَ ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ . وَإِنَّمَا لَا تَقْبَلُ النَّجَاسَةَ قُلَّتَانِ مِنَ الْمَاءِ الْمَحْضِ . وَإِنْ كُوثِرَ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ ، عَادَ مُطَهِّرًا عَلَى الْأَصَحِّ . وَعَلَى الثَّانِي : هُوَ كَمَاءِ الْوَرْدِ . وَإِنْ كُوثِرَ بِمَاءٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ ، طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ ، عَادَ مُطَهِّرًا بِلَا خِلَافٍ ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ ؟ فِيهِ خِلَافُ التَّبَاعُدِ ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِ . أَمَّا إِذَا كُوثِرَ فَلَمْ يَبْلُغْهُمَا ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُكَاثَرُ بِهِ مُطَهِّرًا ، وَأَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنَ الْمَوْرُودِ عَلَيْهِ ، وَأَنْ يُورِدَهُ عَلَى النَّجِسِ ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ فَإِنِ اخْتَلَّ أَحَدُ الشُّرُوطِ ، فَنَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ . وَلَا يُشْتَرَطُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ فِيمَا إِذَا كُوثِرَ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ .
قُلْتُ : هَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ هُوَ الْأَصَحُّ ، وَعِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ : وَهُوَ الْأَصَحُّ . وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ : الثَّانِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْمُكَاثَرَةِ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ ، دُونَ الْخَلْطِ ، حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُ الْبَعْضَيْنِ صَافِيًا ، وَالْآخَرُ كَدِرًا ، وَانْضَمَّا ، زَالَتِ النَّجَاسَةُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الِاخْتِلَاطِ الْمَانِعِ مِنَ التَّمْيِيزِ . وَمَتَى حَكَمْنَا بِالطَّهَارَةِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ فَفُرِّقَ ، لَمْ يَضُرَّ ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ .
23 فَرْعٌ
إِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ الرَّاكِدِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ ، فَقَوْلَانِ : أَظْهَرَهُمَا وَهُوَ الْقَدِيمُ ، أَنَّهُ يَجُوزُ الِاغْتِرَافُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ ، وَلَا يَجِبُ التَّبَاعُدُ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ كُلُّهُ . وَالثَّانِي : الْجَدِيدُ : يَجِبُ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ النَّجَاسَةِ بِقَدْرِ قُلَّتَيْنِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكْفِي فِي الْبَحْرِ التَّبَاعُدُ بِشِبْرٍ نَظَرًا إِلَى الْعُمْقِ ، بَلْ يَتَبَاعَدُ قَدْرًا لَوْ حُسِبَ مِثْلُهُ فِي الْعُمْقِ وَسَائِرِ الْجَوَانِبِ لَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ . فَلَوْ كَانَ الْمَاءُ مُنْبَسِطًا بِلَا عُمْقٍ ، تَبَاعَدَ طُولًا وَعَرْضًا قَدْرًا يَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ فِي ذَلِكَ الْعُمْقِ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَجِبُ أَنْ يَبْعُدَ إِلَى مَوْضِعٍ يَعْلَمُ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَمْ تَنْتَشِرْ إِلَيْهِ . أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَقَطْ ، فَعَلَى الْجَدِيدِ : لَا يَجُوزُ الِاغْتِرَافُ مِنْهُ . وَعَلَى الْقَدِيمِ : يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ . ثُمَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ عَنْ غَيْرِ تَبَاعُدٍ ، مَعَ الْقَطْعِ بِطَهَارَةِ الْجَمِيعِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الِاسْتِعْمَالِ مَبْنِيًّا عَلَى خِلَافٍ فِي نَجَاسَتِهِ ، وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، نُقِلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ .
24 قُلْتُ : هَذَا التَّوَقُّفُ مِنَ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ عَجَبٌ ، فَقَدْ جَزَمَ وَصَرَّحَ بِالِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ جَمَاعَاتٌ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا ، مِنْهُمُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَصَاحِبُ ( الْحَاوِي ) وَالْمَحَامِلِيُّ ، وَصَاحِبَا ( الشَّامِلِ ) وَ ( الْبَيَانِ ) وَآخَرُونَ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ .
وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ عَلَى قَوْلِ التَّبَاعُدِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُجْتَنَبُ نَجِسًا ، كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَالْبَغَوِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ . حَتَّى قَالَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ : لَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَقَطْ ، كَانَ نَجِسًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ . وَالصَّوَابُ : الْأَوَّلُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
إِذَا غُمِسَ كُوزٌ مُمْتَلِئٌ مَاءً نَجِسًا فِي مَاءٍ كَثِيرٍ طَاهِرٍ ، فَإِنْ كَانَ وَاسِعَ الرَّأْسِ ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَعُودُ طَهُورًا ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقَهُ ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ . وَإِذَا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ طَهُورٌ فِي الصُّورَتَيْنِ ، فَهَلْ يَصْلُحُ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ زَمَانٍ يَزُولُ فِيهِ التَّغَيُّرُ لَوْ كَانَ مُتَغَيِّرًا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ . الْأَصَحُّ : الثَّانِي . وَيَكُونُ الزَّمَانُ فِي الضَّيِّقِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْوَاسِعِ . فَإِنْ كَانَ مَاءُ الْكُوزِ مُتَغَيِّرًا ، فَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِ تَغَيُّرِهِ ، وَلَوْ كَانَ الْكُوزُ غَيْرَ مُمْتَلِئٍ ، فَمَا دَامَ يَدْخُلُ فِيهِ الْمَاءُ ، فَلَا اتِّصَالَ ، وَهُوَ عَلَى نَجَاسَتِهِ .
قُلْتُ : إِلَّا أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنَ الَّذِي فِيهِ ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ مَا سَبَقَ فِي الْمُكَاثَرَةِ . 25 قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ، وَصَاحِبُ ( التَّتِمَّةِ ) : وَلَوْ كَانَ مَاءُ الْكُوزِ طَاهِرًا ، فَغَمَسَهُ فِي مَاءٍ نَجِسٍ يَنْقُصُ عَنِ الْقُلَّتَيْنِ بِقَدْرِ مَاءِ الْكُوزِ ، فَهَلْ يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ النَّجِسِ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
مَاءُ الْبِئْرِ كَغَيْرِهِ فِي قَبُولِ النَّجَاسَةِ وَزَوَالِهَا ، فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَتَنَجَّسَ بِوُقُوعِ نَجَاسَةٍ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْزَحَ لِيَنْبُعَ الْمَاءُ الطَّهُورُ بَعْدَهُ ، لِأَنَّهُ وَإِنْ نُزِحَ ، فَقَعْرُ الْبِئْرِ يَبْقَى نَجِسًا ، وَقَدْ تَنَجَّسَ جُدْرَانُ الْبِئْرِ أَيْضًا ، بِالنَّزْحِ ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ لِيَزْدَادَ فَيَبْلُغَ حَدَّ الْكَثْرَةِ . وَإِنْ كَانَ نَبْعُهَا قَلِيلًا لَا تُتَوَقَّعُ كَثْرَتُهُ ، صُبَّ فِيهَا مَاءٌ لِيَبْلُغَ الْكَثْرَةَ ، وَيَزُولَ التَّغَيُّرُ إِنْ كَانَ تَغَيَّرَ . وَطَرِيقُ زَوَالِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاتِّفَاقِ وَالْخِلَافِ . وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا طَاهِرًا ، وَتَفَتَّتْ فِيهِ شَيْءٌ نَجِسٌ ، كَفَأْرَةٍ تَمَعَّطَ شَعْرُهَا ، فَقَدْ يَبْقَى عَلَى طَهُورِيَّتِهِ لِكَثْرَتِهِ ، وَعَدَمِ التَّغَيُّرِ ، لَكِنْ يَتَعَذَّرُ اسْتِعْمَالُهُ ، لِأَنَّهُ لَا يَنْزَحُ دَلْوًا إِلَّا وَفِيهِ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَةِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَقَى الْمَاءُ كُلُّهُ ، لِيَخْرُجَ الشَّعْرُ مِنْهُ . فَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ فَوَّارَةً ، وَتَعَذَّرَ نَزْحُ الْجَمِيعِ ، نُزِحَ مَا يَغْلُبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الشَّعْرَ خَرَجَ كُلُّهُ مَعَهُ ، فَمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْبِئْرِ وَمَا يَحْدُثُ ، طَهُورٌ ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَيْقَنِ النَّجَاسَةِ ، وَلَا مَظْنُونِهَا ، وَلَا يَضُرُّ احْتِمَالُ بَقَاءِ الشَّعْرِ .
فَإِنْ تَحَقَّقَ شَعْرًا بَعْدَ ذَلِكَ ، حُكِمَ بِهِ . فَأَمَّا قَبْلَ النَّزْحِ إِلَى الْحَدِّ الْمَذْكُورِ ، إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو كُلُّ دَلْوٍ عَنْ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَةِ ، لَكِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْهُ ، فَفِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ الْقَوْلَانِ فِي تَقَابُلِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ .
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الشَّعْرِ تَفْرِيعٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ بِالْمَوْتِ . فَإِنْ لَمْ تُنَجِّسْهُ ، فُرِضَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَجْزَاءِ . 26
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith