الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الثاني
الصفحة 768 · ص. المطبوع 379
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : " وَإِنْ نَسِيَ صَلَاةً فِي سَفَرٍ ، فَذَكَرَهَا فِي حَضَرٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا صَلَاةَ حَضَرٍ ، لِأَنَّ عِلَّةَ الْقَصْرِ هِيَ النَّيَّةُ ، وَالسَّفَرُ ، فَإِذَا ذَهَبَتِ الْعِلَّةُ ذَهَبَ الْقَصْرُ ، وَإِذَا نَسِيَ صَلَاةً حَضَرٍ فَذَكَرَهَا فِي سَفَرٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا أَرْبَعًا : لِأَنَّ أَصْلَ الْفَرْضِ أَرْبَعٌ ، فَلَا يُجْزِئُهُ أَقَلُّ مِنْهَا ، وَإِنَّمَا أَرْخَصَ لَهُ فِي الْقَصْرِ مَا دَامَ وَقْتُ الصَّلَاةِ قَائِمًا وَهُوَ مُسَافِرٌ ، فَإِذَا زَالَ وَقْتُهَا ذَهَبَتِ الرُّخْصَةُ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهُوَ كَمَا قَالَ .
وَهَذَا الْفَصْلُ يَشْمَلُ أَرْبَعَ مَسَائِلَ :
أَحَدُهَا : أَنْ يَنْسَى صَلَاةً ، ثُمَّ يَذْكُرُهَا فِي حَضَرٍ فَفِيهَا قَوْلَانِ :
أَحَدُهُمَا : قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ : يَقْصُرُهَا إِنْ شَاءَ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا " ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ تُؤَدَّى وَتُقْصَرُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَضَاؤُهَا مِثْلَ أَدَائِهَا ، أَصْلُهُ إِذَا نَسِيَهَا فِي الْحَضَرِ وَذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ يَقْضِيهَا تَامَّةً : لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ تَامَّةً .
وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ بَدَلٌ ، وَالْأَبْدَالُ فِي الْأُصُولِ مِثْلُ مُبْدَلَاتِهَا ، أَوْ أَخَفُّ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي " الْأُمِّ " ، وَ " الْإِمْلَاءِ " : عَلَيْهِ إِتْمَامُهَا 379 وَالْجَمْعُ فِي السَّفَرِ أَرْبَعَةٌ ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَرْدُودَةٌ إِلَى رَكْعَتَيْنِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا كَالْجُمُعَةِ ، وَلِأَنَّ الْعُذْرَ الْمُغَيِّرَ لِلْفَرْضِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مَعَ وُجُودِهِ كَالْمَرَضِ ، وَلِأَنَّهُ مُقِيمٌ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ مُسَافِرٍ . أَصْلُهُ إِذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِنَّمَا جُوِّزَ لَهُ الْقَصْرُ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ فِي التَّمَامِ ، فَإِذَا صَارَ مُقِيمًا فَقَدْ زَالَتِ الْمَشَقَّةُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَزُولَ التَّخْفِيفُ كَالْمُضْطَرِّ لَمَّا جُوِّزَ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ حَرُمَ عَلَيْهِ أَكْلُهَا عِنْدَ زَوَالِ الضَّرُورَةِ كَـ " الْمُتَيَمِّمِ " ، وَلِأَنَّ السَّفَرَ يُبِيحُ قَصْرَ الصَّلَاةِ إِلَى شَطْرِهَا كَمَا يُبِيحُ بِالتَّيَمُّمِ قَصْرَ الطَّهَارَةِ إِلَى شَطْرِهَا . فَلَمَّا لَمْ يُسْتَبَحْ تَيَمُّمُ السَّفَرِ بَعْدَ انْقِضَاءِ السَّفَرِ لَمْ يُسْتَبَحْ قَضَاءُ السَّفَرِ بَعْدَ انْقِضَاءِ السَّفَرِ .
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ تَفُوتَهُ فِي سَفَرٍ ، ثُمَّ يَذْكُرُهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا فِي السَّفَرِ ، فَفِيهَا قَوْلَانِ :
أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ ، وَالْإِمْلَاءِ : لَهُ قَصْرُهَا إِنْ شَاءَ وَهُوَ أَصَحُّ ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ إِمَّا بِحَالِ الْوُجُوبِ أَوْ بِحَالِ الْأَدَاءِ ، وَأَيُّهُمَا كَانَ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ فِي الْحَالَيْنِ مَعًا ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ تُؤَدَّى ، وَتُقْصَرُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَضَاؤُهَا مِثْلَ أَدَائِهَا ، أَصْلُهُ مَا ذَكَرْنَا .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ عَلَيْهِ إِتْمَامُهَا أَرْبَعًا : لِأَنَّهَا صَلَاةٌ تُفْعَلُ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا قَضَاءً ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ قَصْرُهَا ، أَصْلُهُ إِذَا نَسِيَهَا فِي الْحَضَرِ ، ثُمَّ ذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا ، لِأَنَّ وَقْتَ الْجَمْعِ وَقْتٌ لَهُمَا مَعًا ، فَلِذَلِكَ جَازَ قَصْرُهَا ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَرْدُودَةٌ إِلَى رَكْعَتَيْنِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا كَالْجُمُعَةِ .
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَنْسَى صَلَاةً فِي حَضَرٍ ثُمَّ يَذْكُرُهَا فِي حَضَرٍ فَلَا خِلَافَ أَنَّ عَلَيْهِ إِتْمَامَهَا ، وَإِنْ سَافَرَ فِيمَا بَعْدُ ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْوُجُوبِ فَهُوَ فِيهِ حَاضِرٌ ، وَإِنْ كَانَ بِحَالِ الْأَدَاءِ فَهُوَ فِيهِ حَاضِرٌ ، وَلَا اعْتِبَارَ بِحَالَةٍ حَادِثَةٍ فِيمَا بَعْدُ .
وَالْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : أَنْ يَنْسَى صَلَاةً فِي حَضَرٍ ، ثُمَّ يَذْكُرُهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا فِي السَّفَرِ ، فَعَلَيْهِ إِتْمَامُهَا أَرْبَعًا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَسَائِرِ أَصْحَابِهِ ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَغْلَطُ فَيُجِيزُ لَهُ قَصْرَهَا اعْتِبَارًا بِحَالِ الْأَدَاءِ . وَهَذَا خَطَأٌ ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ قَدِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهَا ، فَرَضَهَا أَرْبَعًا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَمْ يَجُزْ لْهُ قَصْرُهَا وَقْتَ الْقَضَاءِ ، كَمَا أَنَّ مَنْ نَسِيَ ظُهْرَ الْخَمِيسِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْضِيَهَا بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث