الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الخامس
الصفحة 2170 · ص. المطبوع 14
فَصْلٌ : فِي شُرُوطِ الْبَيْعِ
فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا فِي حَقِيقَةِ الْبَيْعِ وَانْتِقَالِ الْمِلْكِ بِهِ :
فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ مَا يَلْزَمُ بِهِ الْبَيْعُ ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يُفْسَخَ بِهِ الْبَيْعُ . فَقَالَ : وَجِمَاعُ مَا يَجُوزُ مِنْ كُلِّ بَيْعٍ آجِلٍ وَعَاجِلٍ ، وَمَا لَزِمَهُ اسْمُ بَيْعٍ بِوَجْهٍ ، لَا يُلْزِمُ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ حَتَّى يَجْتَمِعَا أَنْ يَتَبَايَعَاهُ بِرِضًا مِنْهُمَا بِالتَّبَايُعِ بِهِ وَلَا يَعْقِدَاهُ بِأَمْرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ ، وَلَا عَلَى أَمْرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ ، وَأَنْ يَتَفَرَّقَا بَعْدَ تَبَايُعِهِمَا عَنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ عَلَى التَّرَاضِي بِالْبَيْعِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَ هَذَا لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيْعُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ إِلَّا بِخِيَارٍ ، أَوْ فِي عَيْبٍ يَجِدُهُ ، أَوْ شَرْطٍ يَشْتَرِطُهُ ، أَوْ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ - إِنْ جَازَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ - وَمَتَى لَمْ يَكُنْ هَذَا لَمْ يَقَعِ الْبَيْعُ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ .
وَحَكَى الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ مِثْلَهُ سَوَاءً . فَأَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنْ يُبَيِّنَ شُرُوطَ الْعَقْدِ ، وَشُرُوطَ الرَّدِّ .
فَأَمَّا شُرُوطُ الْعَقْدِ الَّتِي يَصِيرُ بِهَا لَازِمًا فَأَرْبَعَةٌ :
أَحَدُهَا : أَنْ يَتَبَايَعَاهُ بِرِضًا مِنْهُمَا بِالتَّبَايُعِ بِهِ حَتَّى لَا يَكُونَا مُكْرَهَيْنِ وَلَا أَحَدُهُمَا : لِأَنَّ بَيْعَ الْمُكْرَهِ لَا يَصِحُّ .
وَالثَّانِي : أَنْ لَا يَعْقِدَاهُ بِأَمْرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ يَعْنِي بِذَلِكَ الْأَجَلَ الْمَجْهُولَ ، وَالشُّرُوطَ الْمُبْطِلَةَ لِلْعُقُودِ ، وَمَا وَرَدَ النَّهْيُ فِي تَحْرِيمِهِ مِنَ الْبُيُوعِ كَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ .
وَالثَّالِثُ : أَنْ لَا يَعْقِدَاهُ عَلَى أَمْرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْأَعْيَانَ الْمُحَرَّمَةَ : كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ، وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ : كَالْهَوَامِّ وَالْحَشَرَاتِ .
وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ شُرُوطٌ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ ، فَمَتَى أُخِلَّ بِشَرْطٍ مِنْهَا ، فَسَدَ الْعَقْدُ .
وَالرَّابِعُ : أَنْ يَفْتَرِقَا بَعْدَ تَبَايُعِهِمَا عَنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ عَلَى التَّرَاضِي بِالْبَيْعِ .
وَهَذَا شَرْطٌ فِي لُزُومِ الْعَقْدِ بَعْدَ وُقُوعِ صِحَّتِهِ .
وَكَانَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يَضُمُّونَ إِلَى الْأَرْبَعَةِ شَرْطًا خَامِسًا : وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَبَايِعَانِ جَائِزَيِ الْأَمْرِ ، فَلَا يَكُونَا ، وَلَا أَحَدُهُمَا ، مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ ، أَوْ سَفَهٍ : لِأَنَّ بَيْعَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بَاطِلٌ . وَامْتَنَعَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا مِنْ تَخْرِيجِ هَذَا الشَّرْطِ الْخَامِسِ .
وَأَجَابُوا عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا شَرْطٌ فِي الْبَائِعِ لَا فِي الْبَيْعِ ، وَالشَّافِعِيُّ إِنَّمَا ذَكَرَ شُرُوطَ الْبَيْعِ ، وَهَذَا جَوَابُ الْبَغْدَادِيِّينَ .
14 وَالثَّانِي : وَهُوَ جَوَابُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الشَّرْطِ الثَّانِي ، وَهُوَ أَنْ لَا يَعْقِدَاهُ بِأَمْرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ ، لِأَنَّ عَقْدَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، فَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَجْعَلَهُ شَرْطًا خَامِسًا . وَهَذَا أَصَحُّ الْجَوَابَيْنِ : لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ ذَكَرَ فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ أَنْ يَعْقِدَاهُ عَنْ تَرَاضٍ ، وَهَذَا شَرْطٌ فِي الْبَائِعِ دُونَ الْبَيْعِ . فَهَذِهِ شُرُوطُ الْعَقْدِ .
فَأَمَّا شُرُوطُ الرَّدِّ وَمَا يَكُونُ بِهِ الْفَسْخُ فَأَرْبَعَةٌ أَيْضًا :
أَحَدُهَا : الْخِيَارُ الْمَوْضُوعُ لِلْفَسْخِ ، وَهُوَ أَحَدُ خِيَارَيْنِ : إِمَّا خِيَارُ الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارُ الثَّلَاثِ .
وَالثَّانِي : وُجُودُ الْعَيْبِ بِالْمَبِيعِ ، فَيَسْتَحِقُّ بِهِ خِيَارُ الْفَسْخِ .
وَالثَّالِثُ : شَرْطٌ يَشْتَرِطُهُ فِي الْعَقْدِ فَيَعْقِدُهُ ، مِثْلُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ رَهْنًا فِي الثَّمَنِ بِهِ ، أَوْ كَفِيلًا بِهِ ، فَيَمْتَنِعُ الْمُشْتَرِي مِنْ دَفْعِ الرَّهْنَ فِيهِ أَوِ الْكَفِيلَ بِهِ ، فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ ، أَوْ يَشْتَرِطُ الْمُشْتَرِي فِي ابْتِيَاعِ الْعَبْدِ أَنَّهُ ذُو صَنْعَةٍ ، فَيَجِدُهُ لَا يُحْسِنُهَا فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الْفَسْخُ .
وَالرَّابِعُ : الرُّؤْيَةُ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ ، إِذَا قِيلَ بِجَوَازِهِ ، فَيَسْتَحِقُّ بِهِ الْفَسْخَ عَلَى مَا سَيَأْتِي . فَهَذِهِ شُرُوطُ الرَّدِّ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ شُرُوطِ الْعَقْدِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث