الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الرابع
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَا حَصْرَ إِلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ ، وَذَهَبَ الْحَصْرُ الْآنَ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُحِلَّ مُحْرِمٌ حَبَسَهُ بَلَاءٌ حَتَى يَطُوفَ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ عَدُوٌّ ( قَالَ ) فَيُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ ، قَالَ فَإِنْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَإِلَّا طَافَ وَسَعَى وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ وَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، فَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا أَجْزَأَهُ وَلَا وَقْتَ لِلْعُمْرَةِ فَتَفُوتُهُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُحْصَرِ بِالْعَدُوِّ وَالْمَرَضِ أَنَّ الْمُحْصَرَ بِالْعَدُوِّ خَائِفٌ الْقَتْلَ إِنْ أَقَامَ ، وَقَدْ رُخِّصَ لِمَنْ لَقِيَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَتَحَرَّفَ لِقِتَالٍ أَوْ يَتَحَيَّزَ إِلَى فِئَةٍ فَيَنْتَقِلَ بِالرُّجُوعِ مِنْ خَوْفِ قَتْلٍ إِلَى أَمْنٍ ، وَالْمَرِيضُ حَالُهُ وَاحِدَةٌ فِي التَّقَدُّمِ وَالرُّجُوعِ ، وَالْإِحْلَالُ رُخْصَةٌ فَلَا يُعَدَّى بِهَا مَوْضِعُهَا كَمَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ رُخْصَةٌ فَلَمْ يُقَسْ عَلَيْهِ مَسْحُ عِمَامَةٍ وَلَا قُفَّازَيْنِ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَاسَ حِلُّ الْمَرِيضِ عَلَى حَصْرِ الْعَدُوِّ وَجَازَ أَنْ يُقَاسَ حِلُّ مُخْطِئِ الطَرِيقِ وَمُخْطِئِ الْعَدَدِ حَتَى يَفُوتَهُ الْحَجُّ عَلَى حَصْرِ الْعَدُوِّ . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي الْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ .
فَأَمَّا الْإِحْصَارُ بِالْمَرَضِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِالْمَرَضِ كَمَا يَتَحَلَّلَ بِالْعَدُوِّ ؛ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [ الْبَقَرَةِ : 119 ] فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ إِلَى أَنَّهُ يُقَالُ : أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ وَحَصَرَهُ الْعَدُوُّ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْآيَةُ وَارِدَةً فِي الْإِحْصَارِ بِالْمَرَضِ وَيَكُونُ الْإِحْصَارُ بِالْعَدُوِّ قِيَاسًا عَلَيْهِ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ يُقَالُ : أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ وَأَحْصَرَهُ الْعَدُوُّ مَعًا ، فَعَلَى هَذَا الْآيَةُ عَامَّةٌ فِيهِمَا جَمِيعًا ، وَرَوَى عِكْرِمَةُ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كُسِرَ أَوْ عُرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ ، فَسَأَلْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَابْنَ عَبَّاسٍ ، فَقَالَا : صَدَقَ ، قَالَ : وَلِأَنَّهُ مَصْدُودٌ عَنِ الْبَيْتِ ، فَجَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ كَالْمُحْصَرِ بِالْعَدُوِّ ، قَالَ : وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَجِبُ بِوُجُودِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَجَازَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا بِالْمَرَضِ كَالْجِهَادِ ، وَلِأَنَّ الْإِحْصَارَ بِالْمَرَضِ أَشَدُّ مِنَ الْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ : لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْمَرَضِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَيَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْعَدُوِّ عَنْ نَفْسِهِ ، إِمَّا بِقِتَالٍ ، أَوْ بِمَالٍ ، فَلَمَّا جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ بِمَا قَدْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ ، كَانَ تَحَلُّلُهُ فِيمَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْلَى ، وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ سُفْيَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ
358 اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَ لَهَا : تُرِيدِينَ الْحَجَّ ؟ فَقَالَتْ : إِنِّي شَاكِيَةٌ ، فَقَالَ : حُجِّي وَاشْتَرِطِي إِنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي . وَالدَّلَالَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهَا الْخُرُوجُ بِالْمَرَضِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، لَأَخْبَرَهَا وَلَمْ يُعَلِّقْهُ بِالشَّرْطِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ عَلَّقَ جَوَازَ إِحْلَالِهَا مِنَ الْمَرَضِ بِالشَّرْطِ ، وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ ، وَيَنْتَفِي عِنْدَ عَدَمِهِ ؟ وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَذَلِكَ مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّجِسْتَانِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْبَصْرَةِ خَرَجَ لِيَحُجَّ ، فَوَقَعَ مِنْ عَلَى بَعِيرِهِ ، فَانْكَسَرَتْ فَخِذُهُ فَمَضَوْا إِلَى مَكَّةَ وَبِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَالنَّاسُ ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ أَحَدٌ فِي التَّحَلُّلِ ، فَبَقِيَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ ، وَلَيْسَ يُعْرَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْقَوْلِ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ ، وَلِأَنَّ الْمَرَضَ مَعْنًى لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْحَجِّ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُعِيدَ التَّحَلُّلَ مِنْهُ ، كَالصُّدَاعِ طَرْدًا ، أَوْ كَانْسِدَادِ الطَّرِيقِ عَكْسًا : وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِتَحَلُّلِهِ التَّخَلُّصَ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْأَذَى الَّذِي هُوَ فِيهِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ التَّحَلُّلُ ، كَضَالِّ الطَّرِيقِ طَرْدًا ، وَكَالْمُحْصَرِ عَكْسًا .
فَإِنْ قِيلَ : فَالْمُحْصَرُ إِذَا حَصَرَهُ الْعَدُوُّ مِنْ سَائِرِ جِهَاتِهِ ، لَهُ التَّحَلُّلُ وَلَا يَسْتَفِيدُ بِهِ التَّخَلُّصَ مِنَ الْأَذَى الَّذِي هُوَ فِيهِ . قِيلَ : لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ فِيهِ نَصٌّ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : لَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ ، كَالْمَرِيضِ .
وَالثَّانِي : لَهُ التَّحَلُّلُ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَفِيدُ بِهِ التَّخَلُّصَ مِنْ بَعْضِ الْأَذَى ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَفِدْ بِهِ التَّخَلُّصَ مِنْ جَمِيعِهِ ، وَهُوَ الْعَدُوُّ الَّذِي فِي وَجْهِهِ : لِأَنَّهُ بِالْإِحْلَالِ وَالْعَوْدِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى لِقَائِهِ .
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّهَا فِي الْإِحْصَارِ بِالْمَرَضِ كَانَ فَاسِدًا : لِأَنَّهَا نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةُ مُحَاصَرُونَ بِالْعَدُوِّ .
فَإِنْ قَالُوا : اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلٌ فِي إِحْصَارِ الْمَرَضِ : لِأَنَّهُ يُقَالُ : أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ ، وَحَصَرَهُ الْعَدُوُّ .
قُلْنَا : قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْإِحْصَارَ بِالْعَدُوِّ مُرَادٌ ، وَإِذَا كَانَ مُرَادًا كَانَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ مَجَازًا ، وَاللَّفْظَةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا أُرِيدَ بِهَا الْمَجَازُ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْحَقِيقَةُ أَيْضًا حَتَّى تَصِيرَ مُسْتَعْمَلَةً فِيهِمَا جَمِيعًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا ، وَإِنْ قَالُوا : إِنَّ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ فِيهِمَا حَقِيقَةً ، وَعُمُومَ اللَّفْظِ يَتَنَاوَلُهَا .
359 قِيلَ : ظَاهِرُ الْآيَةِ لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى الْهَدْيِ ، فَأَمَّا التَّحَلُّلُ فَغَيْرُ مَذْكُورٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُضْمَرٌ فِيهِ ، فَلَا يُدَّعَى فِيهِ الْعُمُومُ ، وَالْإِضْمَارُ لَا يُوصَلُ إِلَى تَعْيِينِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ الْعُمُومُ يَتَنَاوَلُهُمَا جَمِيعًا ، لَكَانَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْإِحْصَارَ بِالْعَدُوِّ دُونَ الْمَرَضِ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : قَوْلُهُ فِي أَثْنَاءِ الْآيَةِ : وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [ الْبَقَرَةِ : 196 ] ، فَمَنَعَ تَوْجِيهَ الْخِطَابِ إِلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ حَتَّى يَنْحَرَ ، وَهَذَا فِي الْمُحْصَرِ بِالْعَدُوِّ ، وَلِأَنَّ الْمُحْصَرَ بِالْمَرَضِ يَجُوزُ أَنْ يَحْلِقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ .
وَالثَّانِي : قَوْلُهُ فِيهَا : فَإِذَا أَمِنْتُمْ [ الْبَقَرَةِ : 196 ] ، وَالْأَمْنُ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ خَوْفٍ ، فَأَمَّا عَنْ مَرَضٍ فَإِنَّمَا يُقَالُ : بُرْءٌ ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا إِحْصَارُ الْعَدُوِّ دُونَ الْمَرَضِ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ : مَنْ كُسِرَ أَوْ عُرِجَ فَقَدْ حَلَّ . قُلْنَا : مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ شَرَطَ التَّحَلُّلَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ أَضْمَرْتُمْ فِي الْخَبَرِ شَرْطًا غَيْرَ مَذْكُورٍ مَعَ إِمْكَانِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ قِيلَ : لَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارٍ فِي الْخَبَرِ : لِأَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ بِنَفْسِ الْكَسْرِ وَالْعَرَجِ ، فَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ .
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمُحْصَرِ بِالْعَدُوِّ ، بِعِلَّةِ أَنَّهُ مَصْدُودٌ عَنِ الْبَيْتِ فَغَيْرُ سَلِيمٍ : لِأَنَّ الْمَرِيضَ غَيْرُ مَصْدُودٍ عَنِ الْبَيْتِ : لِأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلِ الْمَشَقَّةَ لِمَوْصِلٍ إِلَيْهِ ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ ، أَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِالتَّحَلُّلِ التَّخَلُّصَ مِنَ الْأَذَى الَّذِي هُوَ فِيهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَرِيضُ .
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْجِهَادِ ، فَالْجِهَادُ قِتَالٌ ، وَالْمَرِيضُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، فَجَازَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ ، وَالْحَجُّ سَيْرٌ ، وَالْمَرِيضُ يُمْكِنُهُ السَّيْرُ إِذَا كَانَ رَاكِبًا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إِنَّ الْمَرِيضَ أَسْوَأُ حَالًا ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي الْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ .
فَأَمَّا الْإِحْصَارُ بِالْمَرَضِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِالْمَرَضِ كَمَا يَتَحَلَّلَ بِالْعَدُوِّ ؛ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [ الْبَقَرَةِ : 119 ] فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ إِلَى أَنَّهُ يُقَالُ : أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ وَحَصَرَهُ الْعَدُوُّ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْآيَةُ وَارِدَةً فِي الْإِحْصَارِ بِالْمَرَضِ وَيَكُونُ الْإِحْصَارُ بِالْعَدُوِّ قِيَاسًا عَلَيْهِ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ يُقَالُ : أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ وَأَحْصَرَهُ الْعَدُوُّ مَعًا ، فَعَلَى هَذَا الْآيَةُ عَامَّةٌ فِيهِمَا جَمِيعًا ، وَرَوَى عِكْرِمَةُ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كُسِرَ أَوْ عُرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ ، فَسَأَلْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَابْنَ عَبَّاسٍ ، فَقَالَا : صَدَقَ ، قَالَ : وَلِأَنَّهُ مَصْدُودٌ عَنِ الْبَيْتِ ، فَجَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ كَالْمُحْصَرِ بِالْعَدُوِّ ، قَالَ : وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَجِبُ بِوُجُودِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَجَازَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا بِالْمَرَضِ كَالْجِهَادِ ، وَلِأَنَّ الْإِحْصَارَ بِالْمَرَضِ أَشَدُّ مِنَ الْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ : لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْمَرَضِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَيَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْعَدُوِّ عَنْ نَفْسِهِ ، إِمَّا بِقِتَالٍ ، أَوْ بِمَالٍ ، فَلَمَّا جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ بِمَا قَدْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ ، كَانَ تَحَلُّلُهُ فِيمَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْلَى ، وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ سُفْيَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ
358 اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَ لَهَا : تُرِيدِينَ الْحَجَّ ؟ فَقَالَتْ : إِنِّي شَاكِيَةٌ ، فَقَالَ : حُجِّي وَاشْتَرِطِي إِنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي . وَالدَّلَالَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهَا الْخُرُوجُ بِالْمَرَضِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، لَأَخْبَرَهَا وَلَمْ يُعَلِّقْهُ بِالشَّرْطِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ عَلَّقَ جَوَازَ إِحْلَالِهَا مِنَ الْمَرَضِ بِالشَّرْطِ ، وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ ، وَيَنْتَفِي عِنْدَ عَدَمِهِ ؟ وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَذَلِكَ مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّجِسْتَانِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْبَصْرَةِ خَرَجَ لِيَحُجَّ ، فَوَقَعَ مِنْ عَلَى بَعِيرِهِ ، فَانْكَسَرَتْ فَخِذُهُ فَمَضَوْا إِلَى مَكَّةَ وَبِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَالنَّاسُ ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ أَحَدٌ فِي التَّحَلُّلِ ، فَبَقِيَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ ، وَلَيْسَ يُعْرَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْقَوْلِ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ ، وَلِأَنَّ الْمَرَضَ مَعْنًى لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْحَجِّ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُعِيدَ التَّحَلُّلَ مِنْهُ ، كَالصُّدَاعِ طَرْدًا ، أَوْ كَانْسِدَادِ الطَّرِيقِ عَكْسًا : وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِتَحَلُّلِهِ التَّخَلُّصَ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْأَذَى الَّذِي هُوَ فِيهِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ التَّحَلُّلُ ، كَضَالِّ الطَّرِيقِ طَرْدًا ، وَكَالْمُحْصَرِ عَكْسًا .
فَإِنْ قِيلَ : فَالْمُحْصَرُ إِذَا حَصَرَهُ الْعَدُوُّ مِنْ سَائِرِ جِهَاتِهِ ، لَهُ التَّحَلُّلُ وَلَا يَسْتَفِيدُ بِهِ التَّخَلُّصَ مِنَ الْأَذَى الَّذِي هُوَ فِيهِ . قِيلَ : لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ فِيهِ نَصٌّ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : لَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ ، كَالْمَرِيضِ .
وَالثَّانِي : لَهُ التَّحَلُّلُ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَفِيدُ بِهِ التَّخَلُّصَ مِنْ بَعْضِ الْأَذَى ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَفِدْ بِهِ التَّخَلُّصَ مِنْ جَمِيعِهِ ، وَهُوَ الْعَدُوُّ الَّذِي فِي وَجْهِهِ : لِأَنَّهُ بِالْإِحْلَالِ وَالْعَوْدِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى لِقَائِهِ .
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّهَا فِي الْإِحْصَارِ بِالْمَرَضِ كَانَ فَاسِدًا : لِأَنَّهَا نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةُ مُحَاصَرُونَ بِالْعَدُوِّ .
فَإِنْ قَالُوا : اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلٌ فِي إِحْصَارِ الْمَرَضِ : لِأَنَّهُ يُقَالُ : أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ ، وَحَصَرَهُ الْعَدُوُّ .
قُلْنَا : قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْإِحْصَارَ بِالْعَدُوِّ مُرَادٌ ، وَإِذَا كَانَ مُرَادًا كَانَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ مَجَازًا ، وَاللَّفْظَةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا أُرِيدَ بِهَا الْمَجَازُ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْحَقِيقَةُ أَيْضًا حَتَّى تَصِيرَ مُسْتَعْمَلَةً فِيهِمَا جَمِيعًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا ، وَإِنْ قَالُوا : إِنَّ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ فِيهِمَا حَقِيقَةً ، وَعُمُومَ اللَّفْظِ يَتَنَاوَلُهَا .
359 قِيلَ : ظَاهِرُ الْآيَةِ لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى الْهَدْيِ ، فَأَمَّا التَّحَلُّلُ فَغَيْرُ مَذْكُورٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُضْمَرٌ فِيهِ ، فَلَا يُدَّعَى فِيهِ الْعُمُومُ ، وَالْإِضْمَارُ لَا يُوصَلُ إِلَى تَعْيِينِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ الْعُمُومُ يَتَنَاوَلُهُمَا جَمِيعًا ، لَكَانَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْإِحْصَارَ بِالْعَدُوِّ دُونَ الْمَرَضِ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : قَوْلُهُ فِي أَثْنَاءِ الْآيَةِ : وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [ الْبَقَرَةِ : 196 ] ، فَمَنَعَ تَوْجِيهَ الْخِطَابِ إِلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ حَتَّى يَنْحَرَ ، وَهَذَا فِي الْمُحْصَرِ بِالْعَدُوِّ ، وَلِأَنَّ الْمُحْصَرَ بِالْمَرَضِ يَجُوزُ أَنْ يَحْلِقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ .
وَالثَّانِي : قَوْلُهُ فِيهَا : فَإِذَا أَمِنْتُمْ [ الْبَقَرَةِ : 196 ] ، وَالْأَمْنُ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ خَوْفٍ ، فَأَمَّا عَنْ مَرَضٍ فَإِنَّمَا يُقَالُ : بُرْءٌ ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا إِحْصَارُ الْعَدُوِّ دُونَ الْمَرَضِ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ : مَنْ كُسِرَ أَوْ عُرِجَ فَقَدْ حَلَّ . قُلْنَا : مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ شَرَطَ التَّحَلُّلَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ أَضْمَرْتُمْ فِي الْخَبَرِ شَرْطًا غَيْرَ مَذْكُورٍ مَعَ إِمْكَانِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ قِيلَ : لَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارٍ فِي الْخَبَرِ : لِأَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ بِنَفْسِ الْكَسْرِ وَالْعَرَجِ ، فَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ .
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمُحْصَرِ بِالْعَدُوِّ ، بِعِلَّةِ أَنَّهُ مَصْدُودٌ عَنِ الْبَيْتِ فَغَيْرُ سَلِيمٍ : لِأَنَّ الْمَرِيضَ غَيْرُ مَصْدُودٍ عَنِ الْبَيْتِ : لِأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلِ الْمَشَقَّةَ لِمَوْصِلٍ إِلَيْهِ ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ ، أَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِالتَّحَلُّلِ التَّخَلُّصَ مِنَ الْأَذَى الَّذِي هُوَ فِيهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَرِيضُ .
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْجِهَادِ ، فَالْجِهَادُ قِتَالٌ ، وَالْمَرِيضُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، فَجَازَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ ، وَالْحَجُّ سَيْرٌ ، وَالْمَرِيضُ يُمْكِنُهُ السَّيْرُ إِذَا كَانَ رَاكِبًا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إِنَّ الْمَرِيضَ أَسْوَأُ حَالًا ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث