الذخيرة
الذخيرة · الجزء الرابع
page 540 · printed p. 288
الْبَحْثُ الثَّانِي : فِي الْقَذْفِ الْمُوجِبِ لِلِّعَانِ ، وَالْأَصْلُ فِي الْقَذْفِ : التَّحْرِيمُ ، وَإِيجَابُ الْحَدِّ كَمَا هُوَ فِي الْأَجْنَبِيِّ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِلزَّوْجِ لِضَرُورَةِ حِفْظِ النَّسَبِ وَشِفَاءِ الصُّدُورِ ، وَلَمَّا خَرَجَ مِنْ حَيِّزِ التَّحْرِيمِ لَمْ يُنَاسِبِ الْعُقُوبَةَ بِالْجَلْدِ مُطْلَقًا بَلْ عِنْدَ عَدَمِ ظُهُورِ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ ، وَجُعِلَ لَهُ مَخْلَصٌ بِالْأَيْمَانِ الْمُبَاحَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) ( النُّورِ : 6 ) .
تَفْرِيعٌ ، فِي الْكِتَابِ : يَجِبُ اللِّعَانُ بِاثْنَيْنِ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِمَا : رُؤْيَةِ الزِّنَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ ، وَنَفْيِ حَمْلٍ يُدَّعَى قَبْلَهُ الِاسْتِبْرَاءُ ، أَوْ وَاحِدٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ ، وَهُوَ : قَذْفُهَا مِنْ غَيْرِ دَعْوَى رُؤْيَةٍ وَلَا نَفْيِ حَمْلٍ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ ; لِأَنَّ الْأَيْمَانَ إِنَّمَا تَنَزَّلَتْ مَنْزِلَةَ الْبَيِّنَةِ فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ ، وَتَوَجُّهِهِ عَلَيْهَا .
وَالسَّنَدُ لَا بُدَّ أَنْ يَصِفَ وَلَا يَقْتَصِرَ عَلَى مُجَرَّدِ الْقَذْفِ ، وَلِابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلَانِ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : يَكْفِي فِي دَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ حَيْضَةٌ لِحُصُولِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ بِهَا ، قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ اشْتَرَطَ ثَلَاثًا ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ ، وَقِيلَ : لَا يَحْتَاجُ إِلَى صِفَةِ الرُّؤْيَةِ ; لِأَنَّ الْآيَةَ لَمْ تَشْتَرِطْهَا ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ لِحِفْظِ نَسَبِهِ ، وَلَا حَاجَةَ لِلشُّهُودِ فَغَلَّظَ عَلَيْهِمْ 288 طَلَبًا لِلسَّتْرِ ، وَفِي الْكِتَابِ : إِذَا وَلَدَتْ مَيِّتًا أَوْ مَاتَ بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ لِغَيْبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَنَفَاهُ : لَاعَنَ ; لِأَنَّهُ قَاذِفٌ ، وَإِذَا زَنَتْ فَحُدَّتْ ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُهَا تَزْنِي وَلَمْ يَقْذِفْهَا بِالزِّنَا الْأَوَّلِ الْتَعَنَ لِلتَّشَفِّي أَوْ لِنَفْيِ الْحَمْلِ ، فَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ لَمْ يُحَدَّ ; لِأَنَّهُ قَاذِفُ زَانِيَةٍ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : لَوْ لَاعَنَهَا فَأَبَانَهَا ثُمَّ قَذَفَهَا بِتِلْكَ الزَّنْيَةِ فَلَا حَدَّ ، وَلَا لِعَانَ لِاسْتِيفَاءِ مُوجِبِهِ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَقَالَ رَبِيعَةُ : يُحَدُّ ، وَإِنْ قَذَفَهَا بِزَنْيَةٍ أُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُلَاعَنْ وَحُدَّتْ لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ ; لِسُقُوطِ حَصَانَتِهَا بِتِلْكَ الزَّنْيَةِ بِمُوجِبِ لِعَانِهِ ، وَإِنْ لَاعَنَتْ وَجَبَ الْحَدُّ ، وَإِنْ قَذَفَهَا أَجْنَبِيٌّ فَأَوْلَى بِالْحَدِّ ; لِأَنَّ أَثَرَ لِعَانِ الزَّوْجِ لَا يَتَعَدَّى لِغَيْرِهِ .
قَاعِدَةٌ : الْحَصَانَةُ لَا تَعُودُ بِالْعَدَالَةِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَوْجَبَ الْحَدَّ فِي الْمُحْصَنَاتِ ، فَمَنْ ثَبَتَتْ جِنَايَتُهُ بِالزِّنَا ذَهَبَتْ حَصَانَتُهُ ، وَهَذَا مَقَامٌ تُزَلْزَلُ فِيهِ الْفِكَرُ ، وَتَضْطَرِبُ الْعِبَرُ ، وَكَيْفَ يَصِيرُ الْمَقْذُوفُ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ وَالْعَدَالَةِ وَجَانِبُهُ مَهْضُومٌ ، وَالزَّنْيَةُ الثَّانِيَةِ الَّتِي رَمَاهُ بِهَا أَوْ رَمَى الْمَرْأَةَ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهَا مُصَدِّقٌ لِلرَّامِي ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ هَذِهِ الْأَذِيَّةِ هَاهُنَا وَبَيْنَ أَذِيَّةِ مَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ زِنًا ، وَهُمَا مُولِمَانِ مُؤْذِيَانِ لِلرَّمْيِ أَذِيَّةً ظَاهِرُهَا الْكَذِبُ ، أَمَّا إِذَا رُمِيَ بِالْفِرْيَةِ الْأُولَى فَهُوَ صَادِقٌ فَلَا يَلْحَقُ بِمَحَلِّ الْإِجْمَاعِ بِالْحَدِّ بَلْ فِي التَّعْزِيرِ ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : يَتَخَرَّجُ عَلَى قَاعِدَةٍ وَهِيَ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا نَصَبَ سَبَبًا لِحِكْمَةٍ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَجُوزُ تَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى تِلْكَ الْحِكْمَةِ حَيْثُ وُجِدَتْ ; لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ السَّبَبِ أَوْ لَا يَجُوزُ ؟ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَنْصِبْهَا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ ، كَمَا نَصَبَ السَّرِقَةَ سَبَبًا لِلْقَطْعِ لِحِكْمَةِ حِفْظِ الْأَمْوَالِ فَمَنْ أَخَذَ مَالًا بِغَيْرِ السَّرِقَةِ لَا يَجُوزُ قَطْعُهُ ، وَنَصَبَ الزِّنَا سَبَبًا لِلرَّجْمِ لِحِكْمَةِ حِفْظِ الْأَنْسَابِ فَمَنْ سَعَى فِي لَبْسِهَا بِغَيْرِ الزِّنَا لَا يَجُوزُ 289 رَجْمُهُ ، وَكَذَلِكَ هَاهُنَا شَرَعَ الْقَذْفَ سَبَبًا لِلْحَدِّ لِحِكْمَةِ حِفْظِ الْأَعْرَاضِ وَصَوْنًا لِلْقُلُوبِ عَنِ الْأَذِيَّاتِ ، لَكِنِ اشْتَرَطَ فِيهِ الْإِحْصَانَ مِنْ جُمْلَةِ عَدَمِ مُبَاشَرَةِ الزِّنَا ، فَمَنْ بَاشَرَ فَقَدِ انْتَفَى فِي حَقِّهِ عَدَمُ الْمُبَاشَرَةِ ، فَإِنَّ النَّقِيضَيْنِ لَا يَصْدُقَانِ ، وَالْعَدَالَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تُنَافِي كَوْنَهُ بَاشَرَ ، فَإِنْ لَاحَظْنَا الْحِكْمَةَ دُونَ السَّبَبِ كَانَ ذَلِكَ لِحُسْنِ إِيجَابِ الْحَدِّ ، فَإِنِ اقْتَصَرْنَا عَلَى خُصُوصِ السَّبَبِ لَا يُوجَبُ الْحَدُّ ، وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُدُودَ تَعَبُّدِيَّةٌ مِنْ جِهَةِ مَقَادِيرِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْقُولَةَ الْحِكْمَةِ مِنْ جِهَةِ أُصُولِهَا ، وَالتَّعَبُّدُ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْأَذِيَّةِ الِاسْتِوَاءُ فِي الْحَدِّ .
فَرْعٌ
فِي الْجَوَاهِرِ : إِنْ قَذَفَهَا أَجْنَبِيَّةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَقَذَفَ فَلَاعَنَ ، انْدَفَعَ الْحَدُّ الثَّانِي ، وَاسْتَوْفَى الْأَوَّلَ ; لِأَنَّ اللِّعَانَ لَا يَدْفَعُ قَذْفًا قَبْلَ الزَّوْجِيَّةِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : إِذَا قَذَفَهَا وَقَدْ كَانَتْ غُصِبَتِ الْتَعَنَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنْ قَذَفَهَا بِغَيْرِ الْغَصْبِ تَلَاعَنَا جَمِيعًا ، وَإِنْ غُصِبَتْ وَاسْتَمَرَّتْ حَامِلًا لَا يَنْتَفِي إِلَّا بِلِعَانٍ ، وَلَا تَلْتَعِنُ هِيَ ; لِأَنَّهَا تَقُولُ : إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكَ فَمِنَ الْغَاصِبِ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ مُحَمَّدٌ : هَذَا إِنْ عُلِمَ الْغَصْبُ بِرُؤْيَتِهَا مُتَعَلِّقَةً تَدْمِي أَوْ غَابَ عَلَيْهَا ، وَإِنِ انْفَرَدَتْ دَعْوَاهَا فَلَا بُدَّ مِنَ اللِّعَانِ .
قَالَ مَالِكٌ : وَتَقُولُ أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا زَنَيْتُ ، وَلَقَدْ غُلِبْتُ عَلَى نَفْسِي ، 290 قَالَ مُحَمَّدٌ : وَتَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ : أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ، وَلَا يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْهَا مُوَافَقَةُ الزَّوْجِ لَهَا عَلَى الْغَصْبِ ، وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ ، قَالَ صَاحِبُ النُّكَتِ : تَصْدِيقُ الزَّوْجِ عَلَى الْغَصْبِ لَا يَنْفِي الْوَلَدَ مِنْهُ بِاللِّعَانِ بِخِلَافِ تَصْدِيقِهِ عَلَى الزِّنَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ بِتَزَوُّجِهِ الْحَدَّ عَلَيْهَا فَصُدِّقَتْ عَلَى قَطْعِ النَّسَبِ ، وَلَوْ رَجَعَتْ عَنْ إِقْرَارِهَا قَبْلَ الْحَدِّ ( اسْتَوَى الْمَسْأَلَتَانِ ) ، وَتُقْبَلُ دَعْوَى الْغَصْبِ مِنْ ذَاتِ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ فِيمَا ظَهَرَ مَنْ حَمَلٍ لِقُدْرَتِهَا عَلَى الْإِلْحَاقِ بِالزَّوْجِ ، بِخِلَافِ الْغَرِيَّةِ إِلَّا أَنْ تَصِحَّ وَتَفْضَحَ نَفْسَهَا .
فَرْعٌ
قَالَ ابْنُ يُونُسَ : إِذَا أَنْكَرَ حَمْلَ امْرَأَتِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ ثُمَّ مَاتَ ، لَحِقَهُ لِعَدَمِ لِعَانِهِ ، وَلَهَا الصَّدَاقُ ; لِأَنَّ الْمَوْتَ يُكْمِلُهُ وَلَا يُلَاعَنُ ; لِأَنَّ سَبَبَ لِعَانِهَا لِعَانُهُ وَلَمْ يُوجَدْ ، وَتَرِثُ .
فِي الْكِتَابِ : الْقَائِلُ : وَجَدْتُهَا مَعَهُ فِي لِحَافٍ ، أَوْ تَجَرَّدَتْ لَهُ ، أَوْ ضَاجَعَتْهُ ، لَمْ يَلْتَعِنْ ، وَيُؤَدَّبُ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَتَّى يَصِفَ الْوَطْءَ وَلَمْ يُجْعَلْ هَذَا تَعْرِيضًا بِالْقَذْفِ كَمَا فِي الْأَجْنَبِيِّ ; لِعُذْرِ الزَّوْجِيَّةِ ، وَقَالَ : ابْنُ الْمُلَاعَنَةِ أَوْ أُمُّهُ يُوجِبُ الْحَدَّ لِقَبُولِ اللِّعَانِ لِلِاسْتِلْحَاقِ ، وَلَوْ قَذَفَهَا زَوْجُهَا بَعْدَ اللِّعَانِ 291 حُدَّ ، قَالَهُ رَبِيعَةٌ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قِيلَ : يُحَدُّ بِذِكْرِ الْمُضَاجَعَةِ كَمَا لَوْ قَالَهُ لِأَجْنَبِيٍّ ، وَلَوْ طَالَبَتْهُ بِذَلِكَ فَقَالَ : رَأَيْتُهَا تَزْنِي فَلَهُ الْمُلَاعَنَةُ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَوْ قَذَفَهَا أَجْنَبِيٌّ بَعْدَ لِعَانِ الزَّوْجِ ، أُخِّرَ حَتَّى يَلْتَعِنَ فَيُحَدَّ أَوَّلًا ( وَإِلَّا فَلَا ) لِثُبُوتِ زِنَاهَا ، وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا يُؤَخِّرُهُ ، وَلَوْ قَذَفَهَا قَبْلَ تَمَامِ لِعَانِ الزَّوْجِ لَمْ يُؤَخَّرْ ، وَإِنْ أُخِّرَ لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ إِذَا الْتَعَنَتْ ، وَخَالَفَ مُحَمَّدٌ رَبِيعَةَ فِي حَدِّ الزَّوْجِ لِقَذْفِهِ بَعْدَ اللِّعَانِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا لَاعَنَ لِقَذْفِهِ ، قَالَ سَحْنُونٌ : وَإِذَا قَذَفَهَا بِمُعَيَّنٍ فَحُدَّ لَهُ سَقَطَ اللِّعَانُ وَحَقُّ الزَّوْجَةِ ، كَقَاذِفِ رَجُلَيْنِ يُحَدُّ لِأَحَدِهِمَا ، وَإِنْ طُولِبَ بِاللِّعَانِ فَنَكَلَ فَتُحَدُّ سَقَطَ حَدُّ الرَّجُلِ ، وَفِي الْكِتَابِ : الْقَائِلُ رَأَيْتُهَا تَزْنِي بِفُلَانٍ فَيُلَاعِنُ فَتُحَدُّ لِفُلَانٍ لِبَقَاءِ حَقِّهِ ، وَالْمُنْكِرُ لِلَوْنِ وَلَدِهِ لَا يُلَاعِنُ لِمَا فِي مُسْلِمٍ ( ۝ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ ، وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : مَا لَوْنُهَا ؟ قَالَ : حُمْرٌ ، قَالَ : هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : فَأَنَّى هُوَ ؟ فَقَالَ : لَعَلَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَهَذَا لَعَلَّهُ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ ، زَادَ الْبُخَارِيُّ : وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ ) ، وَإِذَا لَمْ يَرْفَعِ الْقَذْفَ إِلَى الْإِمَامِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : إِذَا قَالَ : أَقَرَّتْ عِنْدِي بِالزِّنَا حُدَّ وَلَمْ يُلَاعِنْ ; لِجَوَازِ حَمْلِ الْإِقْرَارِ عَلَى قَبْلِ الزَّوْجِيَّةِ ، وَالْأَصْلُ فِي الْقَذْفِ : الْحَدُّ ، وَاللِّعَانُ .
فَرْعٌ
وَإِذَا قَالَ : لَمْ أَجِدْكِ عَذْرَاءَ لَا يُحَدُّ وَلَا يُلَاعَنُ ; لِأَنَّ الْعُذْرَةَ تَذْهَبُ بِالْوَثْبَةِ ، وَالْحَيْضِ ، وَالتَّغْيِيسِ .
292 فَرْعٌ
فِي الْجَوَاهِرِ : قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : لَا يَمْنَعُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْقَذْفِ مِنَ اللِّعَانِ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ) خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَسَقَطَ مَفْهُومُهُ إِجْمَاعًا ، ( وَبِهِ قَالَ ( ش ) خِلَافًا لِ ( ح ) ، وَفِي الْكِتَابِ : إِذَا شَهِدَ عَلَيْهِمَا أَرْبَعَةٌ أَحَدُهُمَا زَوْجُهَا لَاعَنَ الزَّوْجُ ، وَحُدَّ ) الثَّلَاثَةُ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ بِالتُّهْمَةِ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ رَجَمَهَا الْإِمَامُ ثُمَّ عَلِمَ بِذَلِكَ لَمْ يَحُدَّ الثَّلَاثَةَ لِلْقَضَاءِ بِشَهَادَتِهِمْ ، وَيُلَاعَنُ الزَّوْجُ ; لِأَنَّهُ قَذَفَ ، فَإِنْ نَكَلَ حُدَّ ثُمَّ لَا قِصَاصَ عَلَى الْإِمَامِ لِلْخِلَافِ فِيهِ كَشَهَادَةِ الْعَبْدِ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ : إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ قَبْلَ الرَّجْمِ فَعَرَضَ اللِّعَانَ عَلَى الزَّوْجِ ، فَإِنْ فَعَلَ قِيلَ : لَهَا الْتَعِنِي ، فَإِنْ فَعَلَتْ حُدَّ الثَّلَاثَةُ ، وَإِلَّا حُدَّتْ دُونَهُمْ ; لِأَنَّهُ حَقَّ عَلَيْهَا مَا شَهِدُوا بِهِ .
فَرْعٌ
قَالَ : وَيَكْفِي نِسْبَتُهَا لِوَطْءٍ حَرَامٍ فِي الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ ، فَإِنْ قَذَفَهَا بِأَجْنَبِيٍّ ، وَذَكَرَهُ فِي اللِّعَانِ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ إِعْلَامُهُ ; لِأَنَّهُ يَبْلُغُهُ ذَلِكَ غَالِبًا ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي مُسْلِمٍ : ( ۝ وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا ) وَلَيْسَ السَّتْرُ الْإِعْلَامَ ، فَإِنَّ الْحُدُودَ يُؤْمَرُ بِالسَّتْرِ فِيهَا ، فَإِنْ قَامَ الْمَقْذُوفُ بِالْحُدُودِ وَحُدَّ لَهُ ، قَالَ سَحْنُونٌ : يَسْقُطُ اللِّعَانُ لِتَدَاخُلِ حُدُودِ الْقَذْفِ ، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يُحَدَّ لِعَدَمِ أَذِيَّةِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ .
293 فَلَوْ قَذَفَ امْرَأَتَيْنِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَامَتْ إِحْدَاهُمَا ، فَقَالَ : كَذَبْتُ عَلَيْكِ فَجُلِدَ ثُمَّ قَامَتِ الْأُخْرَى ، فَلَا حَدَّ لِتَدَاخُلِ الْحُدُودِ فَلَوْ قَالَ بَعْدَ الْحَدِّ : ( كَذَبْتُ عَلَيْكُمَا أَوْ لِلَّتِي قَامَتْ أَخِيرًا : صَدَقْتُ عَلَيْكِ حُدَّ ; لِأَنَّهُ يَصْدُقُ بَعْدَ الْحَدِّ ، وَلَوْ قَالَ لِلَّتِي حُدَّ لَهَا : ) صَدَقْتُ عَلَيْكِ حُدَّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهَا ثَانِيًا خِلَافًا لِابْنِ الْمَوَّازِ .
فَرْعٌ
قَالَ : إِذَا ادَّعَتِ الْقَذْفَ فَأَنْكَرَ فَأَثْبَتَتْهُ حُدَّ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ رُؤْيَةً فَيَلْتَعِنَ ، وَيُقْبَلَ مِنْهُ بَعْدَ جُحُودِهِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالسَّتْرِ ، وَلَوْ أَنْشَأَ قَذْفًا آخَرَ فَلَهُ اللِّعَانُ ، وَلَوْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً عَلَى إِقْرَارِهِ بِذَلِكَ لَاعَنَ مِنْهُ وَهُوَ مُنْكِرٌ لَحِقَ بِهِ وَحُدَّ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ عَنِ الرُّؤْيَةِ مَعَ نَفْيِ الْحَمْلِ فَلَا حَدَّ لِبَقَاءِ لِعَانِ الرُّؤْيَةِ .
فَرْعٌ
قَالَ : قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ : إِذَا لَاعَنَ الْكِتَابِيَّةَ بِنَفْيِ الْحَمْلِ ، ثُمَّ اسْتَلْحَقَ الْوَلَدَ ، ثُمَّ طَلَبَ الْوَلَدُ الْحَدَّ لِقَطْعِ نَسَبِهِ لَمْ يُحَدَّ الْأَبُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقَذْفِ أُمُّهُ دُونَهُ ، وَهُوَ كَمَنْ عَرَّضَ بِقَذْفِ وَلَدِهِ لَا يُحَدُّ لِبُعْدِهِ مِنَ التُّهْمَةِ فِي وَلَدِهِ ، فَلَا يُؤَاخَذُ إِلَّا بِغَيْرِ الْمُحْتَمَلِ كَقَتْلِهِ .
294 فَرْعٌ
قَالَ : وَلَوِ امْتَنَعَ مِنَ اللِّعَانِ فَعُرِضَ لِلْحَدِّ فَلَهُ الِالْتِعَانُ حِينَئِذٍ ، وَهَلْ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ أَمْ لَا ، قَالَ بِالْأَوَّلِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قِيَاسًا عَلَى النُّكُولِ فِي الزِّنَا ، وَبِالثَّانِي قَالَ أَبُو عِمْرَانَ ، وَالْفَرْقُ تَعَلُّقُ حَقِّ الزَّوْجِ بِالنُّكُولِ فِي اللِّعَانِ بِخِلَافِ الزِّنَا .
فَرْعٌ
( قَالَ : إِذَا قَالَ : زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ ، أَوْ أَمَةٌ ، أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ حُدَّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً وَرَآهُ تَعْرِيضًا : قَالَ أَشْهَبُ : لَا يُحَدُّ فِي غَيْرِ الْمُشَاتَمَةِ ، وَيُحَدُّ فِي الْمُشَاتَمَةِ إِلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ ) .
فَرْعٌ
قَالَ : إِذَا مَاتَ الْوَلَدُ فَلَهُ اللِّعَانُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَالِدِ وَلَدٌ حِسِّيٌّ ، وَلَوْ نَفَاهُ فَلَمَّا مَاتَ اسْتَلْحَقَهُ ، قِيلَ : إِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَإِلَّا فَلَا ; لِتُهْمَةِ الْمِيرَاثِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith