الذخيرة
الذخيرة · الجزء الثاني
page 275 · printed p. 478
الْفَصْلُ الْخَامِسُ : فِي الدَّفْنِ .
وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ سَتْرُ سَوْءَاتِ الْأَمْوَاتِ بِالتُّرَابِ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى 478 بِقَوْلِهِ : ( أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ) . وَالْكَفْتُ : الضَّمُّ أَيْ تَضُمُّ الْأَحْيَاءَ ، وَتَسْتُرُهُمْ بِبِنَائِهَا ، وَالْأَمْوَاتَ بِتُرَابِهَا ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : وَهُوَ وَاجِبٌ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : عُمْقُهُ مِثْلُ عَظْمِ الذِّرَاعِ ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : احْفِرُوا لِي وَلَا تُعَمِّقُوا ; فَإِنَّ خَيْرَ الْأَرْضِ أَعْلَاهَا ، وَشَرَّهَا أَسْفَلُهَا ، قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ بِمَحْدُودٍ ، وَلَكِنِ الْوَسَطُ ، وَاللَّحْدُ أَفْضَلُ مِنَ الشَّقِّ ، وَفَضَّلَ ( ش ) الشَّقَّ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أُلْحِدَ وَصَاحِبَاهُ ، وَاحْتَجَّ بِعَمَلِ الْمَدِينَةِ . جَوَابُهُ : أَنَّهَا سَبَخَةٌ تَنْهَارُ ، فَلِذَلِكَ لَا يُلْحِدُونَ ، وَلْيَكُنْ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَإِدْخَالُ الْمَيِّتِ قَبْرَهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ أَفْضَلُ ، وَيَضَعُهُ فِي قَبْرِهِ الرِّجَالُ ، وَيَضَعُ الْمَرْأَةَ زَوْجُهَا مِنْ أَسْفَلَ ، وَمَحَارِمُهَا مِنْ أَعْلَى ، وَإِنْ تَعَذَّرَ فَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ، إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مِنْ قَوَاعِدِ النِّسَاءِ مَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ ، وَيُسْتَرُ عَلَيْهَا بِثَوْبٍ حَتَّى تُوَارَى فِي لَحْدِهَا ، وَلَيْسَ لِعَدَدِ الْمُبَاشِرِ لِلْمَيِّتِ حَدٌّ مِنْ شَفْعٍ أَوْ وِتْرٍ ، وَيُوضَعُ فِي اللَّحْدِ عَلَى يَمِينِ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةِ ، وَتُمَدُّ يَدُهُ الْيُمْنَى عَلَى جَسَدِهِ ، وَيُحَلُّ الْعَقْدُ مِنْ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ حَتَّى تَنْصَرِفَ عَنْهُ الْمَوَادُّ ، وَيُسْنَدُ رَأْسُهُ بِالتُّرَابِ ، وَكَذَلِكَ رِجْلَاهُ لِئَلَّا يَتَصَوَّبَ ، وَيُرْفَقُ بِهِ كَالْحَيِّ ، وَاسْتَحَبَّ أَشْهَبُ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ وَضْعِهِ فِي اللَّحْدِ : بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْهُ بِأَحْسَنِ قَبُولٍ . ثُمَّ يُنَضَّدُ اللَّبَنَ عَلَى فَتْحِ اللَّحْدِ ، وَتُسَدُّ الْفُرَجُ بِمَا يَمْنَعُ التُّرَابَ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : أَفْضَلُ مَا يُسَدُّ بِهِ اللَّبِنُ ، ثُمَّ اللَّوْحُ ، ثُمَّ الْقَرَامِيدُ ، ثُمَّ الْآجُرُّ ، ثُمَّ الْحِجَارَةُ ، ثُمَّ الْقَصَبُ ، فَكُلُّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنَ التُّرَابِ ، وَالتُّرَابُ أَفْضَلُ مِنَ التَّابُوتِ ، ثُمَّ يُحْثَى كُلٌّ مِنْ أَرْبَعِ حَثَيَاتٍ ، وَرَوَى سَحْنُونٌ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ ، ثُمَّ يُهَالُ التُّرَابُ عَلَيْهِ وَلَا يُرْفَعُ إِلَّا بِقَدْرِ شِبْرٍ ، وَلَا يُجَصَّصُ وَلَا يُطَيَّنُ ، وَلَا بَأْسَ بِالْحَصْبَاءِ ، وَوَضْعِ الْحَجْرِ عَلَى 479 رَأَسِ الْقَبْرِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَتُكْرَهُ الْكِتَابَةُ عَلَى الْقَبْرِ ، وَقَدْ ۝ وَضَعَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى قَبْرِ ابْنِ مَظْعُونٍ حَجَرًا ، وَقَالَ هَذَا أَعْرِفُ بِهِ قَبْرَ أَخِي . وَأَجَازَ ( ح ) الْبُنْيَانَ نَحْوَ التُّرْبَةِ الْيَوْمَ ، وَخَصَّصَ ابْنُ الْقَصَّارِ الْكَرَاهَةَ بِمَا يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : قَالَ أَشْهَبُ وَتَسْنِيمُ الْقَبْرِ أَحَبُّ إِلَيَّ ، وَإِنْ رُفِعَ فَلَا بَأْسَ ، وَقَبْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَبْرُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مُسَنَّمَةٌ ، وَقَالَهُ ( ح ) ، وَفِي الْجُلَّابِ : يُسَطَّحُ وَلَا يُسَنَّمُ ، وَقَالَهُ ( ش ) ، وَيُرْفَعُ مِنَ الْأَرْضِ قَلِيلًا بِقَدْرِ مَا يُعْرَفُ بِهِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ ، وَقُبُورُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَسْطُوحَةٌ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : وَلَا يُدْفَنُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مَيِّتَانِ إِلَّا لِحَاجَةٍ ، وَيُرَتَّبُونَ فِي اللَّحْدِ بِالْفَضِيلَةِ ، الْأَفْضَلُ لِلْقِبْلَةِ ، وَالْأَفْضَلُ لِلْمُشَيِّعِ أَلَّا يَنْصَرِفَ إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِ الْمَيِّتِ ، وَالْقَبْرُ مُحْتَرَمٌ لَا يُمْشَى عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُسَنَّمًا وَالطَّرِيقُ دُونَهُ ، وَإِنْ عَفَا فَوَاسِعٌ ، وَلَا تُنْبَشُ عِظَامُ الْمَوْتَى عِنْدَ حَفْرِ الْقُبُورِ ، وَمَنْ صَادَفَ قَبْرًا رَدَّ عَلَيْهِ تُرَابَهُ ، وَلَا يُزَادُ مِنْ قَبْرٍ عَلَى غَيْرِهِ ، وَيُنْبَشُ إِذَا كَانَ الْقَبْرُ أَوِ الْكَفَنُ مَغْصُوبًا ، أَوْ يَشِحُّ بِهِ رَبُّهُ ، أَوْ نُسِيَ مَعَهُ مَالٌ فِي الْقَبْرِ أَوْ دُفِنَ بِغَيْرِ غُسْلٍ ; أُخْرِجَ إِنْ كَانَ قَرِيبًا ، وَقِيلَ : لَا يُخْرَجُ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَلَوْ وُضِعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ أَوْ أُلْحِدَ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، أَوْ رِجْلَاهُ مَوْضِعَ رَأْسِهِ ; أُصْلِحَ إِنْ أُمِنَ التَّغَيُّرُ ، وَإِلَّا فَلَا ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَا يُبْقَرُ عَلَى جَنِينِ الْمَيِّتَةِ وَإِنِ اضْطَرَبَ ، وَأَجَازَهُ سَحْنُونٌ إِنْ طُمِعَ فِي حَيَاتِهِ ; فَقِيلَ : هُوَ تَفْسِيرٌ ، وَقِيلَ : هُوَ خِلَافٌ ، وَكَذَلِكَ الدَّنَانِيرُ فِي بَطْنِ الْمَيِّتِ . وَقَالَ مَالِكٌ : إِنِ اسْتَطَاعَ النِّسَاءُ عِلَاجَهُ مِنْ مَخْرَجِهِ فَعَلْنَ وَلَمْ يَبْلُغْنِي الْبَقْرُ عَنْ أَحَدٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : رَأَيْتُ بِمِصْرَ رَجُلًا مَبْقُورًا عَلَى رَمَكَةٍ مَبْقُورَةٍ ، قَالَ سَنَدٌ : وَإِذَا أُبْقِرَتْ فَمِنْ خَاصِرَتِهَا الْيُسْرَى ; لِأَنَّهَا أَقْرَبُ لِلْوَلَدِ ، وَيَلِي ذَلِكَ أَخَصُّ أَقَارِبِهَا ، وَالزَّوْجُ أَحْسَنُ فَإِنْ كَانَتِ الْأُمُّ نَصْرَانِيَّةً حَامِلًا بِجَنِينٍ مُسْلِمٍ : قَالَ مَالِكٌ : تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ النَّصَارَى ; لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِلْجَنِينِ قَبْلَ وَضْعِهِ ، وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقِيلَ : يُجْعَلُ ظَهْرُهَا 480 إِلَى الْقِبْلَةِ ; لِأَنَّ وَجْهَ الْجَنِينِ إِلَى ظَهْرِهَا ، وَلَوْ بَلَعَ الْمَيِّتُ مِنْ مَالِهِ جَوْهَرَةً صَغِيرَةً نَفِيسَةً ، أَوْ وَدِيعَةً - خَوْفَ اللُّصُوصِ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يُشَقُّ ، وَمَنَعَ ابْنُ حَبِيبٍ ، وَفَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِأَنَّ الْوَدِيعَةَ مُحَقَّقَةٌ بِخِلَافِ الْجَنِينِ ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَحْرِ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَانْتُظِرَ بِهِ الْبَرُّ إِنْ أُمِنَ التَّغَيُّرُ ، وَإِلَّا رُمِيَ بِهِ فِي الْبَحْرِ مُسْتَقْبِلًا مُحَرَّفًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَتُشَدُّ عَلَيْهِ أَكْفَانُهُ وَلَا تُثْقَلُ رِجْلَاهُ ، وَخَالَفَهُ سَحْنُونٌ ; فَالْأَوَّلُ لِيَصِلَ الْبَرَّ فَيُدْفَنَ ، وَالثَّانِي لِيَسْلَمَ مِنْ أَكْلِ الطُّيُورِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَظَاهِرُ مَذْهَبِنَا جَوَازُ نَقْلِ الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ ، وَقَدْ مَاتَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ بِالْعَقِيقِ ، وَدُفِنَا بِالْمَدِينَةِ ، قَالَ سَنَدٌ : وَلَوْ تَشَاحَّ الْوَرَثَةُ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُدْفَنُ فِي مِلْكِي ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُدْفَنُ فِي الْمَقَابِرِ الْمُسَبَّلَةِ ، دُفِنَ فِي الْمُسَبَّلَةِ وَلَيْسَ لَهُ إِبْطَالُ حَقِّهِ مِنَ الْأَرْضِ الْمُسَبَّلَةِ ، وَيَحْمِلُ الْوَرَثَةُ أَثْمَانَهُ ، وَلِأَنَّهُ كَانَ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ، فَكَأَنَّهُ وَصَّى بِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : أَنَا أُكَفِّنُهُ مِنْ مَالِي لَمْ يَلْزَمْهُمْ بِذَلِكَ الْعُدُولُ عَنِ التَّرِكَةِ ، فَلَوْ حُفِرَ لَهُ قَبْرٌ فَدَفَنَ فِيهِ قَوْمٌ مَيِّتَهُمْ ، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : عَلَيْهِمْ مِثْلُهُ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قِيمَةُ الْحَفْرِ ، قَالَ : وَهُوَ أَبْيَنُ ; لِأَنَّ الْمَضْمُونَ مَنْفَعَةُ الْحُفْرَةِ لَا عَيْنُ الْقَبْرِ ، وَالْمَنْفَعَةُ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ ، وَإِلَّا كَانَ يَجِبُ نَبْشُهُ ، وَفِي الْجُلَّابِ : لَا بَأْسَ بِزِيَارَةِ الْقُبُورِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " ۝ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، وَالْآنَ فَزُورُوهَا ; فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ بِالْآخِرَةِ " .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith