الذخيرة
الذخيرة · الجزء الثاني
page 216 · printed p. 188
الرُّكْنُ الرَّابِعُ : الرُّكُوعُ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ انْحِنَاءُ الظَّهْرِ ، قَالَ الشَّاعِرُ :
﴿﴾ أَلَيْسَ وَرَائِي إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي ﴿﴾ ﴿﴾ لُزُومُ عَصًا تَحْنِي عَلَيْهَا الْأَصَابِعُ ﴿﴾ ﴿﴾ أَخْبَرَ أَخْبَارَ الْقُرُونِ الَّتِي مَضَتْ ﴿﴾ ﴿﴾ أَدَبٌ كَأَنِّي كُلَّمَا قُمْتُ رَاكِعُ ﴿﴾
188 دَلِيلُ وُجُوبِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ) وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ۝ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا . وَالْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : أَقَلُّهُ أَنْ تَنَالَ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ أَوْ يَقْرُبَا مِنْهُمَا ، وَأَكْمَلُهُ اسْتِوَاءُ الظَّهْرِ وَالْعُنُقِ وَيَنْصِبُ رُكْبَتَيْهِ وَيَضَعُ كَفَّيْهِ عَلَيْهِمَا ، وَيُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ وَلَا يُجَاوِزُ فِي الِانْحِنَاءِ الِاسْتِوَاءَ . وَفِي الرُّكْنِ فُرُوعٌ ثَلَاثَةٌ :
الْأَوَّلُ قَالَ فِي الْكِتَابِ : إِذَا عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُونَ الْقِيَامِ يُومِئُ قَائِمًا لِلرُّكُوعِ طَاقَتَهُ وَيَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْجُلُوسِ أَوْمَأَ لِلسُّجُودِ وَيَتَشَهَّدُ تَشَهُّدَيْهِ جَالِسًا ، وَإِلَّا صَلَّى صَلَاتَهُ كُلَّهَا قَائِمًا يُومِئُ لِلسُّجُودِ أَخْفَضُ مِنَ الرُّكُوعِ ، قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : وَاخْتُلِفَ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْإِيمَاءِ الطَّاقَةَ أَوْ يَأْتِي بِالْحَرَكَاتِ بَدَلًا عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ؟ وَهُوَ مَذْهَبُ الْكِتَابِ وَالْأَوَّلُ لِمَالِكٍ أَيْضًا وَ ( ش ) . وَجْهُ الْمَذْهَبِ الْقِيَاسُ عَلَى الْمُسَايَفَةِ وَصَلَاةِ النَّافِلَةِ ، وَهُمَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِمَا ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ لِلسُّجُودِ فَقِيَاسًا عَلَى الْمُبْدَلِ مِنْهُ .
الثَّانِي قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى : الْقِرَاءَةُ فِي الرُّكُوعِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا ، وَكَرِهَ مَالِكٌ الدُّعَاءَ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ ۝ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقِسِيِّ ، وَعَنِ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ ، وَعَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : ۝ نُهِيْتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ .
189 قَاعِدَةٌ :
اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا تَنْفَعُهُ الطَّاعَةُ ، وَلَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةٌ لَكِنَّهُ أَمَرَنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ نُظْهِرَ الذُّلَّ وَالِانْقِيَادَ لِجَلَالِهِ فِي حَالَاتٍ جَرَتِ الْعَادَاتُ بِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِذَلِكَ ، كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى الْأَوَامِرِ ، وَالْمُبَاعَدَةِ عَنِ النَّوَاهِي ، وَأَنْ نَتَأَدَّبَ مَعَهُ فِي الْحَالَاتِ الَّتِي تَقْتَضِي الْأَدَبَ عَادَةً وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ۝ اسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ كَمَا تَسْتَحْيِي مِنْ شَيْخٍ مِنْ صَالِحِي قَوْمِكَ . وَلَمَّا كَانَتِ الْعَادَةُ جَارِيَةٌ عِنْدَ الْأَمَاثِلِ وَالْمُلُوكِ بِتَقْدِيمِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْهُمْ ; لِتَنْبَسِطَ نُفُوسُهُمْ لِإِنَالَتِهَا أَمَرَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِتَقْدِيمِ الثَّنَاءِ عَلَى الدُّعَاءِ ، كَقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ :
﴿﴾ أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ﴿﴾ ﴿﴾ حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ ﴿﴾ ﴿﴾ إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ﴿﴾ ﴿﴾ كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِكَ الثَّنَاءُ ﴿﴾ ﴿﴾ كَرِيمٌ لَا يُغَيِّرُهُ صَبَاحٌ ﴿﴾ ﴿﴾ عَنِ الْخُلُقِ الْجَمِيلِ وَلَا مَسَاءُ ﴿﴾
فَيَكُونُ الدُّعَاءُ فِي السُّجُودِ لِوَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : لِهَذَا الْمَعْنَى ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ غَايَةُ حَالَاتِ الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ بِوَضْعِ أَشْرَفِ مَا فِي الْإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ رَأْسُهُ فِي التُّرَابِ فَيُوشِكُ أَنْ لَا يُرَدَّ عَنْ مَقْصِدِهِ وَأَنْ يَصِلَ إِلَى مَطْلَبِهِ .
فَائِدَةٌ :
مَعْنَى قَوْلِهِ فَقَمِنٌ أَيْ : أَوْلَى وَمِثْلُهُ قَمِينٍ وَحَرٍ وَحَرِيٍّ وَجَدِيرٍ ، وَمَعْنَاهَا 190 كُلُّهَا : أَوْلَى .
الثَّالِثُ : يَضَعُ كَفَّيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُطْبِقُ يَدَيْهِ وَيَضَعُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ . لَنَا مَا فِي الْبُخَارِيِّ ۝ قَالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعِيدٍ : صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ ، ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ فَنَهَانِي ، وَقَالَ : كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِيْنَا عَنْهُ ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِينَا عَلَى الرُّكَبِ ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِ الْأَوَّلِ وَمَشْرُوعِيَّةِ الثَّانِي ، قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : فَلَوْ كَانَ بِيَدَيْهِ عِلَّةٌ تَثُورُ عَلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، أَوْ قِصَرٌ كَثِيرٌ لَمْ يَزِدْ فِي الِانْحِنَاءِ عَلَى تَسْوِيَةِ ظَهْرِهِ ، أَوْ قُطِعَتْ إِحْدَاهُمَا وَضَعَ الثَّانِيَةَ عَلَى رُكْبَتِهِ . وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith