الاختيار لتعليل المختار
الاختيار لتعليل المختار · الجزء الأول
page 70 · printed p. 91 · commentary
بَابُ النَّوَافِلِ
عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ وَعَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَالُوا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ : رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ ، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ " .
91 فَهَذِهِ مُؤَكَّدَاتٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا ، فَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ۝ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ : " صَلُّوهَا وَلَوْ أَدْرَكَتْكُمُ الْخَيْلُ " ، وَقَالَ : " ۝ هُمَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " ، رَوَتْهُ عَائِشَةُ حَتَّى كَرِهَ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا قَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ۝ مَنْ تَرَكَ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ لَمْ تَنَلْهُ شَفَاعَتِي " .
( وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ) قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " ۝ مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ " .
( وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا ) وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَكْعَتَيْنِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَاءَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - .
( وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتًّا ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيمَا بَيْنَهُنَّ بشيءٍ عَدَلْنَ لَهُ عِبَادَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةٍ " ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْقِيَامِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَضْلٌ كَثِيرٌ ، وَقِيلَ هِيَ نَاشِئَةُ اللَّيْلِ وَتُسَمَّى صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " ۝ مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ عِشْرِينَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ " .
( وَقَبْلَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا ) وَقِيلَ : رَكْعَتَيْنِ .
( وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا ) وَقِيلَ : رَكْعَتَيْنِ ، وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ۝ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا ، ثُمَّ يُصَلِّي بَعْدَهَا أَرْبَعًا ثُمَّ يَضْطَجِعُ .
( وَيُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا ) هَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ : " ۝ مَنْ كَانَ مُصَلِّيًا الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ قَبْلَهَا أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا 92 أَرْبَعًا ، وَقِيلَ : بَعْدَهَا سِتًّا بِتَسْلِيمَتَيْنِ مَرُوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَهُوَ مَذُهَبُ أَبِي يُوسُفَ ، وَكُلُّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا سُنَّةٌ يُكْرَهُ الْقُعُودُ بَعْدَهَا ، بَلْ يَشْتَغِلُ بِالسُّنَّةِ لِئَلَّا يَفْصِلَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْمَكْتُوبَةِ ، وَعَنْ عَائِشَةَ : " ۝ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْعُدُ مِقْدَارَ مَا يَقُولُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ وَإِلَيْكَ يَعُودُ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى السُّنَّةِ " ، وَلَا يَتَطَوَّعُ مَكَانَ الْفَرْضِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ۝ أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ بِسُبْحَتِهِ " ، وَكَذَا يُسُتَحَبُّ لِلْجَمَاعَةِ كَسْرُ الصُّفُوفِ لِئَلَّا يَظُنُّ الدَّاخِلُ أَنَّهُمُ فِي الْفَرْضِ .
قَالَ : ( وَيَلْزَمُ التَّطَوُّعُ بِالشُّرُوعِ مُضِيًّا وَقَضَاءً ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) وَقِيَاسًا عَلَى الصَّوْمِ فَيَجِبُ الْمُضِيُّ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لِعَدَمِ الْفَصْلِ ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلصَّائِمِ : " ۝ أَجِبْ أَخَاكَ وَاقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ " ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَقَدْ ۝ أَفْطَرَتَا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ : " اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ وَلَا تَعُودَا " ، وَيَجُوزُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ : " ۝ كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُصَلِّي قَاعِدًا ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ آيَاتٍ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْقُعُودِ " ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَرُبَّمَا شَقَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فَجَازِ لَهُ ذَلِكَ إِحُرَازًا لِلْخَيْرِ ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُنْقَلُ فِيهِ خِلَافٌ .
قَالَ : ( فَإِنِ افْتَتَحَهُ قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ لِغَيْرِ عُذْرٍ جَازَ ، وَيُكْرَهُ ) وَقَالَا : لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالنَّذْرِ . وَلَهُ أَنَّ فَوَاتَ الْقِيَامِ لَا يُبْطِلُ التَّطَوُّعَ ابْتِدَاءً فَكَذَا بَقَاءً ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقِيَامَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ فَلَا يَلْزَمُ إِلَّا بِالْتِزَامِهِ صَرِيحًا كَالتَّتَابُعِ فِي الصَّوْمِ ، وَلِهَذَا خَالَفَ النَّذْرَ .
93 قَالَ : ( وَصَلَاةُ اللَّيْلِ رَكْعَتَانِ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ أَرْبَعٌ أَوْ سِتٌّ أَوْ ثَمَانٍ ) وَكُلُّ ذَلِكَ نُقِلَ فِي تَهَجُّدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - .
( وَيُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ، وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ كَالثَّمَانِ .
قَالَ : ( وَفِي النَّهَارِ رَكْعَتَانِ أَوْ أَرْبَعٌ ، وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا الْأَرْبَعُ ) وَقَالَا : الْأَفْضَلُ فِي اللَّيْلِ الْمَثْنَى اعْتِبَارًا بِالتَّرَاوِيحِ ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ۝ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى " وَبَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَسَلِّمْ ، وَلَهُ قَوْلُ عَائِشَةَ : " ۝ كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُصَلِّي بَعْدَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا لَا تَسْأَلُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ أَرْبَعًا لَا تَسْأَلُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ " . وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُوَاظِبُ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ وَلِأَنَّهَا أَدْوَمُ تَحْرِيمَةٍ ، فَكَانَ أَشَقَّ فَتَكُونُ أَفْضَلَ . قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ۝ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا " أَيْ أَشَقُّهَا . أَمَّا التَّرَاوِيحُ فَتُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ فَكَانَ مَبْنَاهَا عَلَى التَّخْفِيفِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنْهُمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ۝ مَثْنَى مَثْنَى " مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ : أَنَّهُ يَتَشَهَّدُ عَلَى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ، فَسَمَّاهُ مَثْنَى لِوُقُوعِ الْفَصْلِ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِتَشَهُّدٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ : " أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ۝ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّلَامِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ " ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : مَعْنَاهُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِالتَّشَهُّدِ .
( وَلَا يَزِيدُ فِي النَّهَارِ عَلَى أَرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ .
94 قَالَ : ( وَطُولُ الْقِيَامِ أَفْضَلُ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ : " ۝ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " طُولُ الْقُنُوتِ " ; لِأَنَّهُ أَشَقُّ وَلِأَنَّ فِيهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّسْبِيحِ . قَالَ : ( الْقِرَاءَةُ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ ) لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ صَلَاةٌ ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِالتَّحْرِيمَةِ سِوَى شَفْعٍ وَاحِدٍ ، وَالْقِيَامُ إِلَى الثَّالِثَةِ كَتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ حَتَّى قَالْوا يُسْتَحَبُّ الِاسْتِفْتَاحُ فِي الثَّالِثَةِ . وَيَجُوزُ لِلرَّاكِبِ أَنْ يَتَنَفَّلَ عَلَى دَابَّتِهِ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ يُومِئُ إِيمَاءً إِذَا كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ .
قَالَ ابْنُ عُمَرَ : " ۝ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ يُومِئُ إِيمَاءً " . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَنْزِلُ لِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لِأَنَّهُمَا آكَدُ مِنْ غَيْرِهِمَا . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمِصْرِ أَيْضًا . وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ خَارِجَ الْمِصْرِ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الرُّكُوبِ فِيهِ أَغْلَبُ ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ الْمِصْرُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith