الاختيار لتعليل المختار
الاختيار لتعليل المختار · الجزء الأول
بَابُ الْهَدْيِ
وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إِلَى الْحَرَمِ وَيُذْبَحُ فِيهِ .
( وَهُوَ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ) اعْتِبَارًا بِالضَّحَايَا " وَسُئِلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنِ الْهَدْيِ 233 فَقَالَ : " أَدْنَاهُ شَاةٌ " وَأَهْدَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِائَةَ بَدَنَةٍ ، وَالْبَقَرَةُ كَالْبَدَنَةِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ . قَالَ : ( وَلَا يُجْزِئُ مَا دُونَ الثَّنِيِّ إِلَّا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ ) لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ فَيُعْتَبَرُ بِالضَّحَايَا ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ضَحُّوا بِالثَّنَايَا إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ ، فَاذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ " .
قَالَ : ( وَلَا يُذْبَحُ هَدْيُ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ وَيَأْكُلُ مِنْهَا ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَكُلُوا مِنْهَا ) ثُمَّ قَالَ : ( لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ) وَذَلِكَ يَكُونُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ذَبَحَ مِنْهَا ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ ، وَذَبَحَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْبَاقِيَ ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُؤْخَذَ بَضْعَةٌ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ فَوُضِعَتْ فِي قِدْرٍ ثُمَّ أَكَلَا مَنْ لَحَمِهَا وَحَسَوْا مِنْ مَرَقِهَا . وَرَوَى أَنَسٌ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا . قَالَ : ( وَيَذْبَحُ بَقِيَّةَ الْهَدَايَا مَتَى شَاءَ ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا ) لِأَنَّهَا جِنَايَاتٌ وَكَفَّارَاتٌ فَلَا تَتَوَقَّفُ بِوَقْتٍ ، وَمَصْرِفُهَا الْفُقَرَاءُ ، وَالْأَوْلَى تَعْجِيلُهَا لِيَنْجَبِرَ مَا حَصَلَ مِنَ النَّقْصِ فِي أَفْعَالِهِ .
قَالَ : ( وَلَا يَذْبَحُ الْجَمِيعَ إِلَّا فِي الْحَرَمِ ) قَالَ تَعَالَى فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ : ( هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ) وَفِي دَمِ الْإِحْصَارِ : ( حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) وَلِأَنَّ الْهَدْيَ مَا عُرِفَ قُرْبَةً إِلَّا فِي مَكَانٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ 234 الْحَرَمُ . قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ ، وَفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا مَنْحَرٌ " .
قَالَ : ( وَالْأَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ بِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ يُحْسِنُ الذَّبْحَ ) لِمَا رُوِّينَا مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهَا قُرْبَةٌ ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَفْعَلَهَا بِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ لَا يُحْسِنَ فَيُوَلِّيَهَا غَيْرَهُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَهَا إِنْ لَمْ يَذْبَحْهَا بِنَفْسِهِ . قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " يَا فَاطِمَةُ قُومِي فَاشْهَدِي ضَحِيَّتَكِ ، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا " .
قَالَ : ( وَيَتَصَدَّقُ بِجِلَالِهَا وَخِطَامِهَا ، وَلَا يُعْطِي أُجْرَةَ الْقَصَّابِ مِنْهَا ) بِذَلِكَ أَمَرَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
قَالَ : ( وَلَا تُجْزِئُ الْعَوْرَاءُ وَلَا الْعَرْجَاءُ الَّتِي لَا تَمْشِي إِلَى الْمَنْسَكِ ، وَلَا الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " لَا تُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا أَرْبَعَةٌ : الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا ، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا ، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا ، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي ) أَيْ لَا نِقْيَ لَهَا وَهُوَ الْمُخُّ .
قَالَ : ( وَلَا مَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ ، وَلَا الْعَمْيَاءُ ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " اسْتَشْرِفُوا الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ " أَيْ تَأَمَّلُوا سَلَامَتَهُمَا .
( وَلَا الَّتِي خُلِقَتْ بِغَيْرِ أُذُنٍ ) لِفَوَاتِ عُضْوٍ كَامِلٍ .
( وَلَا مَقْطُوعَةُ الذَّنَبِ ) لِمَا بَيَّنَّا .
235 ( وَإِنْ ذَهَبَ الْبَعْضُ إِنْ كَانَ ثُلُثًا فَمَا زَادَ لَا يَجُوزُ ، وَإِنْ نَقَصَ عَنِ الثُّلُثِ يَجُوزُ ) لِأَنَّ الثُّلُثَ كَثِيرٌ بِالنَّصِّ ، وَفِي رِوَايَةٍ : الرُّبُعُ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْكُلِّ كَمَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنَ النِّصْفِ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ . وَفِي النِّصْفِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ .
قَالَ : ( وَتَجُوزُ الْجَمَّاءُ وَالْخَصِيُّ وَالثَّوْلَاءُ وَالْجَرْبَاءُ ) أَمَّا الْجَمَّاءُ فَلِأَنَّ الْقَرْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَقْصُودٌ ; وَأَمَّا الْخَصِيُّ فَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ ، وَلِأَنَّ لَحْمَهُ يَكُونُ أَطْيَبَ ; وَأَمَّا الثَّوْلَاءُ فَالْمُرَادُ الَّتِي تُعْتَلَفُ حَتَّى لَوْ كَانَتْ لَا تُعْتَلَفُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ ; وَأَمَّا الْجَرْبَاءُ فَلِأَنَّ الْجَرَبَ فِي الْجِلْدِ ; أَمَّا اللَّحْمُ الَّذِي هُوَ مَقْصُودٌ لَا نُقْصَانَ فِيهِ حَتَّى لَوْ هَزُلَتْ بِأَنْ وَصَلَ الْجَرَبُ إِلَى اللَّحْمِ لَا يَجُوزُ .
قَالَ : ( وَلَا يُرْكَبُ الْهَدْيُ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ ) لِأَنَّ فِي رُكُوبِهَا اسْتِهَانَةً بِهَا ، وَتَعْظِيمُهَا وَاجِبٌ . قَالَ تَعَالَى : ( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) وَالتَّقْوَى وَاجِبٌ فَيَكُونُ التَّعْظِيمُ وَاجِبًا وَحَالَةُ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنَاةٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ : " ارْكَبْهَا وَيْلَكَ " قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ ، قَالَ : " ارْكَبْهَا وَيْلَكَ " قَالُوا : كَانَ مَجْهُودًا فَأَمَرَهُ بِالرُّكُوبِ لِلضَّرُورَةِ .
( فَإِنْ نَقَصَتْ بِرُكُوبِهِ ضَمِنَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ ) لِأَنَّهُ بَدَلُ جُزْئِهَا ، وَكَذَلِكَ إِذَا نَقَصَتْ مِنَ الْحَمْلِ عَلَيْهَا لِمَا بَيَّنَّا .
قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ لَهَا لَبَنٌ لَمْ يَحْلِبْهَا ) لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ قَبْلَ بُلُوغِ الْمَحِلِّ ، وَيُنْضَحُ ضَرْعُهَا بِالْمَاءِ الْبَارِدِ لِيَذْهَبَ اللَّبَنُ ; قَالُوا : وَهَذَا إِذَا قَرُبَ مِنْ وَقْتِ الذَّبْحِ ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ بَعِيدًا حَلَبَهَا 236 دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْهَدْيِ ، وَإِنِ اسْتَهْلَكَهُ تَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ ، وَإِنِ اشْتَرَى هَدْيًا فَوَلَدَ عِنْدَهُ ذَبَحَ الْوَلَدَ مَعَهُ ، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ ؛ لِأَنَّ لِلْوَلَدِ حُكْمَ الْأُمِّ عَلَى مَا عُرِفَ .
قَالَ : ( وَإِنْ سَاقَ هَدْيًا فَعَطِبَ فِي الطَّرِيقِ ، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ) لِتَعَيُّنِهِ بِالنِّيَّةِ وَقَدْ فَاتَ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْبَحَهَا وَيَصْبُغَ نَعْلَهَا : أَيْ قِلَادَتَهَا بِدَمِهَا وَيَضْرِبَ بِهِ صَفْحَةَ سَنَامِهَا ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا هُوَ وَلَا الْأَغْنِيَاءُ ، بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيَّ ، وَلِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ لِلْفُقَرَاءِ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ .
( وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ ) لِأَنَّهُ كَمَا خَرَجَ عَمَّا عَيَّنَهُ عَادَ مِلْكًا لَهُ فَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ .
( وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ .
قَالَ : ( وَيُقَلَّدُ هَدْيُ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ دُونَ غَيْرِهَا ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَلَّدَ هَدَايَاهُ وَكَانَتْ تَطَوُّعًا ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ فَيَلِيقُ بِهِ الْإِظْهَارُ ، وَالْمُرَادُ بِالْهَدْيِ هُنَا الْبُدْنُ ; أَمَّا الْغَنَمُ فَلَا يُقَلِّدُهَا لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْعَادَةِ ; وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْهَدَايَا فَلِأَنَّهَا جِنَايَاتٌ ، وَاللَّائِقُ فِيهَا السِّتْرُ ، وَدَمُ الْإِحْصَارِ وَجَبَ لِلتَّحَلُّلِ قَبْلَ أَوَانِهِ فَكَانَ جِنَايَةً .
وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إِلَى الْحَرَمِ وَيُذْبَحُ فِيهِ .
( وَهُوَ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ) اعْتِبَارًا بِالضَّحَايَا " وَسُئِلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنِ الْهَدْيِ 233 فَقَالَ : " أَدْنَاهُ شَاةٌ " وَأَهْدَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِائَةَ بَدَنَةٍ ، وَالْبَقَرَةُ كَالْبَدَنَةِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ . قَالَ : ( وَلَا يُجْزِئُ مَا دُونَ الثَّنِيِّ إِلَّا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ ) لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ فَيُعْتَبَرُ بِالضَّحَايَا ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ضَحُّوا بِالثَّنَايَا إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ ، فَاذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ " .
قَالَ : ( وَلَا يُذْبَحُ هَدْيُ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ وَيَأْكُلُ مِنْهَا ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَكُلُوا مِنْهَا ) ثُمَّ قَالَ : ( لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ) وَذَلِكَ يَكُونُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ذَبَحَ مِنْهَا ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ ، وَذَبَحَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْبَاقِيَ ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُؤْخَذَ بَضْعَةٌ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ فَوُضِعَتْ فِي قِدْرٍ ثُمَّ أَكَلَا مَنْ لَحَمِهَا وَحَسَوْا مِنْ مَرَقِهَا . وَرَوَى أَنَسٌ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا . قَالَ : ( وَيَذْبَحُ بَقِيَّةَ الْهَدَايَا مَتَى شَاءَ ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا ) لِأَنَّهَا جِنَايَاتٌ وَكَفَّارَاتٌ فَلَا تَتَوَقَّفُ بِوَقْتٍ ، وَمَصْرِفُهَا الْفُقَرَاءُ ، وَالْأَوْلَى تَعْجِيلُهَا لِيَنْجَبِرَ مَا حَصَلَ مِنَ النَّقْصِ فِي أَفْعَالِهِ .
قَالَ : ( وَلَا يَذْبَحُ الْجَمِيعَ إِلَّا فِي الْحَرَمِ ) قَالَ تَعَالَى فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ : ( هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ) وَفِي دَمِ الْإِحْصَارِ : ( حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) وَلِأَنَّ الْهَدْيَ مَا عُرِفَ قُرْبَةً إِلَّا فِي مَكَانٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ 234 الْحَرَمُ . قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ ، وَفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا مَنْحَرٌ " .
قَالَ : ( وَالْأَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ بِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ يُحْسِنُ الذَّبْحَ ) لِمَا رُوِّينَا مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهَا قُرْبَةٌ ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَفْعَلَهَا بِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ لَا يُحْسِنَ فَيُوَلِّيَهَا غَيْرَهُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَهَا إِنْ لَمْ يَذْبَحْهَا بِنَفْسِهِ . قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " يَا فَاطِمَةُ قُومِي فَاشْهَدِي ضَحِيَّتَكِ ، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا " .
قَالَ : ( وَيَتَصَدَّقُ بِجِلَالِهَا وَخِطَامِهَا ، وَلَا يُعْطِي أُجْرَةَ الْقَصَّابِ مِنْهَا ) بِذَلِكَ أَمَرَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
قَالَ : ( وَلَا تُجْزِئُ الْعَوْرَاءُ وَلَا الْعَرْجَاءُ الَّتِي لَا تَمْشِي إِلَى الْمَنْسَكِ ، وَلَا الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " لَا تُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا أَرْبَعَةٌ : الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا ، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا ، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا ، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي ) أَيْ لَا نِقْيَ لَهَا وَهُوَ الْمُخُّ .
قَالَ : ( وَلَا مَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ ، وَلَا الْعَمْيَاءُ ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " اسْتَشْرِفُوا الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ " أَيْ تَأَمَّلُوا سَلَامَتَهُمَا .
( وَلَا الَّتِي خُلِقَتْ بِغَيْرِ أُذُنٍ ) لِفَوَاتِ عُضْوٍ كَامِلٍ .
( وَلَا مَقْطُوعَةُ الذَّنَبِ ) لِمَا بَيَّنَّا .
235 ( وَإِنْ ذَهَبَ الْبَعْضُ إِنْ كَانَ ثُلُثًا فَمَا زَادَ لَا يَجُوزُ ، وَإِنْ نَقَصَ عَنِ الثُّلُثِ يَجُوزُ ) لِأَنَّ الثُّلُثَ كَثِيرٌ بِالنَّصِّ ، وَفِي رِوَايَةٍ : الرُّبُعُ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْكُلِّ كَمَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنَ النِّصْفِ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ . وَفِي النِّصْفِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ .
قَالَ : ( وَتَجُوزُ الْجَمَّاءُ وَالْخَصِيُّ وَالثَّوْلَاءُ وَالْجَرْبَاءُ ) أَمَّا الْجَمَّاءُ فَلِأَنَّ الْقَرْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَقْصُودٌ ; وَأَمَّا الْخَصِيُّ فَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ ، وَلِأَنَّ لَحْمَهُ يَكُونُ أَطْيَبَ ; وَأَمَّا الثَّوْلَاءُ فَالْمُرَادُ الَّتِي تُعْتَلَفُ حَتَّى لَوْ كَانَتْ لَا تُعْتَلَفُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ ; وَأَمَّا الْجَرْبَاءُ فَلِأَنَّ الْجَرَبَ فِي الْجِلْدِ ; أَمَّا اللَّحْمُ الَّذِي هُوَ مَقْصُودٌ لَا نُقْصَانَ فِيهِ حَتَّى لَوْ هَزُلَتْ بِأَنْ وَصَلَ الْجَرَبُ إِلَى اللَّحْمِ لَا يَجُوزُ .
قَالَ : ( وَلَا يُرْكَبُ الْهَدْيُ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ ) لِأَنَّ فِي رُكُوبِهَا اسْتِهَانَةً بِهَا ، وَتَعْظِيمُهَا وَاجِبٌ . قَالَ تَعَالَى : ( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) وَالتَّقْوَى وَاجِبٌ فَيَكُونُ التَّعْظِيمُ وَاجِبًا وَحَالَةُ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنَاةٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ : " ارْكَبْهَا وَيْلَكَ " قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ ، قَالَ : " ارْكَبْهَا وَيْلَكَ " قَالُوا : كَانَ مَجْهُودًا فَأَمَرَهُ بِالرُّكُوبِ لِلضَّرُورَةِ .
( فَإِنْ نَقَصَتْ بِرُكُوبِهِ ضَمِنَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ ) لِأَنَّهُ بَدَلُ جُزْئِهَا ، وَكَذَلِكَ إِذَا نَقَصَتْ مِنَ الْحَمْلِ عَلَيْهَا لِمَا بَيَّنَّا .
قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ لَهَا لَبَنٌ لَمْ يَحْلِبْهَا ) لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ قَبْلَ بُلُوغِ الْمَحِلِّ ، وَيُنْضَحُ ضَرْعُهَا بِالْمَاءِ الْبَارِدِ لِيَذْهَبَ اللَّبَنُ ; قَالُوا : وَهَذَا إِذَا قَرُبَ مِنْ وَقْتِ الذَّبْحِ ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ بَعِيدًا حَلَبَهَا 236 دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْهَدْيِ ، وَإِنِ اسْتَهْلَكَهُ تَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ ، وَإِنِ اشْتَرَى هَدْيًا فَوَلَدَ عِنْدَهُ ذَبَحَ الْوَلَدَ مَعَهُ ، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ ؛ لِأَنَّ لِلْوَلَدِ حُكْمَ الْأُمِّ عَلَى مَا عُرِفَ .
قَالَ : ( وَإِنْ سَاقَ هَدْيًا فَعَطِبَ فِي الطَّرِيقِ ، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ) لِتَعَيُّنِهِ بِالنِّيَّةِ وَقَدْ فَاتَ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْبَحَهَا وَيَصْبُغَ نَعْلَهَا : أَيْ قِلَادَتَهَا بِدَمِهَا وَيَضْرِبَ بِهِ صَفْحَةَ سَنَامِهَا ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا هُوَ وَلَا الْأَغْنِيَاءُ ، بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيَّ ، وَلِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ لِلْفُقَرَاءِ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ .
( وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ ) لِأَنَّهُ كَمَا خَرَجَ عَمَّا عَيَّنَهُ عَادَ مِلْكًا لَهُ فَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ .
( وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ .
قَالَ : ( وَيُقَلَّدُ هَدْيُ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ دُونَ غَيْرِهَا ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَلَّدَ هَدَايَاهُ وَكَانَتْ تَطَوُّعًا ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ فَيَلِيقُ بِهِ الْإِظْهَارُ ، وَالْمُرَادُ بِالْهَدْيِ هُنَا الْبُدْنُ ; أَمَّا الْغَنَمُ فَلَا يُقَلِّدُهَا لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْعَادَةِ ; وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْهَدَايَا فَلِأَنَّهَا جِنَايَاتٌ ، وَاللَّائِقُ فِيهَا السِّتْرُ ، وَدَمُ الْإِحْصَارِ وَجَبَ لِلتَّحَلُّلِ قَبْلَ أَوَانِهِ فَكَانَ جِنَايَةً .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith