سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الأول
page 116 · printed p. 533
سَعْدَوَيْهِ الْوَاسِطِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَاتِمٍ الطَّوِيلُ ، وَجَمَاعَةٌ قَالُوا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ الرَّازِّيُّ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدٌ الْمُكْتِبُ ، حَدَّثَنِي أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ ، حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ قَالَ : كُنْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ جَيَّ ، وَكَانَ أَهْلُ قَرْيَتِي يَعْبُدُونَ الْخَيْلَ الْبُلْقَ ، وَكُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ . فَقِيلَ لِي : إِنَّ الَّذِي تَرُومُهُ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَغْرِبِ ، فَأَتَيْتُ الْمَوْصِلَ ، فَسَأَلْتُ عَنْ أَفْضَلِ رَجُلٍ فِيهَا . فَدُلِلْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي صَوْمَعَةٍ ، فَأَتَيْتُهُ ، فَقُلْتُ لَهُ : إِنِّي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ جَيَّ ، وَإِنِّي جِئْتُ أَطْلُبُ الْعِلْمَ ، فَضُمَّنِي إِلَيْكَ أَخْدِمُكَ وَأَصْحَبُكَ ، وَتُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ . قَالَ : نَعَمْ .
فَأَجْرَى عَلَيَّ مِثْلَ مَا كَانَ يُجْرَى عَلَيْهِ ، وَكَانَ يُجْرَى عَلَيْهِ الْخَلُّ وَالزَّيْتُ وَالْحُبُوبُ . فَلَمْ أَزَلْ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ أُبْكِيهِ ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكَ ؟ قُلْتُ : يُبْكِينِي أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بِلَادِي أَطْلُبُ الْخَيْرَ ، فَرَزَقَنِي اللَّهُ فَصَحِبْتُكَ ، فَعَلَّمَتْنِي وَأَحْسَنْتَ صُحْبَتِي ، فَنَزَلَ بِكَ الْمَوْتُ ، فَلَا أَدْرِي أَيْنَ أَذْهَبُ .
قَالَ : لِي أَخٌ بِالْجَزِيرَةِ مَكَانَ كَذَا 533 وَكَذَا ، فَهُوَ عَلَى الْحَقِّ ، فَائْتِهِ ، فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ ، وَأَخْبِرْهُ أَنِّي أَوْصَيْتُ إِلَيْهِ ، وَأَوْصَيْتُكَ بِصُحْبَتِهِ . فَلَمَّا قُبِضَ أَتَيْتُ الرَّجُلَ الَّذِي وَصَفَ لِي ، فَأَخْبَرْتُهُ ، فَضَمَّنِي إِلَيْهِ ، فَصَحِبْتُهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ ، فَأَوْصَى بِي إِلَى رَجُلٍ بِقُرْبِ الرُّومِ ، فَلَمَّا قُبِضَ ، أَتَيْتُهُ فَضَمَّنِي إِلَيْهِ ، فَلَمَّا احْتُضِرَ ، بِكَيْتُ ، فَقَالَ : مَا بَقِيَ أَحَدٌ عَلَى دِينِ عِيسَى أَعْلَمُهُ ، وَلَكِنْ هَذَا أَوَانُ يَخْرُجُ نَبِيٌّ ، أَوْ قَدْ خَرَجَ بِتِهَامَةَ ، وَأَنْتَ عَلَى الطَّرِيقِ لَا يَمُرُّ بِكَ أَحَدٌ إِلَّا سَأَلْتَهُ عَنْهُ ، وَإِذَا بَلَغَكَ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ ، فَائْتِهِ ; فَإِنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ، وَإِنَّهُ ذَلِكَ ، فَذَكَرَ الْخَاتَمَ وَالْهَدِيَّةَ وَالصَّدَقَةَ .
قَالَ : فَمَاتَ ، وَمَرَّ بِي نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَسَأَلْتُهُمْ فَقَالُوا : نَعَمْ قَدْ ظَهَرَ فِينَا رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ . فَقُلْتُ لِبَعْضِهِمْ : هَلْ لَكَمْ أَنْ أَكُونَ لَكُمْ عَبْدًا عَلَى أَنْ تَحْمِلُونِي عُقْبَةً ، وَتُطْعِمُونِي مِنَ الْكِسَرِ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : أَنَا . فَصِرْتُ لَهُ عَبْدًا حَتَّى قَدِمَ بِي مَكَّةَ ، فَجَعَلَنِي فِي بُسْتَانٍ لَهُ مَعَ حُبْشَانَ كَانُوا فِيهِ ، فَخَرَجْتُ ، وَسَأَلْتُ ، فَلَقِيتُ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ بِلَادِي ، فَسَأَلْتُهَا ، فَإِذَا أَهْلُ بَيْتِهَا قَدْ أَسْلَمُوا . فَقَالَتْ لِي : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْلِسُ فِي الْحِجْرِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا صَاحَ عُصْفُورُ مَكَّةَ ، حَتَّى إِذَا أَضَاءَ لَهُمُ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا . فَانْطَلَقْتُ إِلَى الْبُسْتَانِ ، وَكُنْتُ أَخْتَلِفُ لَيْلَتِي ، فَقَالَ لِي الْحُبْشَانُ : مَا لَكَ ؟ قُلْتُ : أَشْتَكِي بَطْنِي . وَإِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَفْقِدُونِي .
۝ فَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ الَّتِي أَخْبَرَتْنِي ، خَرَجْتُ أَمْشِي حَتَّى رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا هُوَ مُحْتَبٍ وَأَصْحَابُهُ حَوْلَهُ ، فَأَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ ، فَأَرْسَلَ حُبْوَتَهُ ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ، فَقُلْتُ : اللَّهُ أَكْبَرُ هَذِهِ وَاحِدَةٌ . ثُمَّ انْصَرَفْتُ .
فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الْمُقْبِلَةُ ، لَقَطْتُ تَمْرًا جَيِّدًا فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقُلْتُ : صَدَقَةٌ . إِلَى أَنْ قَالَ : فَاذْهَبْ فَاشْتَرِ نَفْسَكَ .
فَانْطَلَقْتُ إِلَى صَاحِبِي ، فَقُلْتُ : بِعْنِي نَفْسِي . قَالَ : نَعَمْ عَلَى أَنْ تُنْبِتَ لِي مِائَةَ نَخْلَةٍ ، فَإِذَا أَنْبَتْتَ جِئْنِي بِوَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ .
فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبَرْتُهُ 534 فَقَالَ : اشْتَرِ نَفْسَكَ بِذَلِكَ ، وَائْتِنِي بِدَلْوٍ مِنْ مَاءِ الْبِئْرِ الَّذِي كُنْتَ تَسْقِي مِنْهَا ذَلِكَ النَّخْلَ . فَدَعَا لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا ، ثُمَّ سَقَيْتُهَا ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ غَرَسْتُ مِائَةَ نَخْلَةٍ ، فَمَا غَادَرْتُ مِنْهَا نَخْلَةً إِلَّا نَبَتَتْ . فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَانِي قِطْعَةً مِنْ ذَهَبٍ ، فَانْطَلَقْتُ بِهَا فَوَضَعْتُهَا فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ ، وَوَضَعَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ نَوَاةً . فَوَاللَّهِ مَا اسْتَقَلَّتِ الْقِطْعَةُ الذَّهَبَ مِنَ الْأَرْضِ ، وَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَأَخْبَرْتُهُ ، فَأَعْتَقَنِي
.
هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ مَتْرُوكٌ ، وَقَدْ تَابَعَهُ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ الثَّوْرِيُّ ، وَشَرِيكٌ ، وَأَمَّا هُوَ ، فَسَمَّنَ الْحَدِيثَ فَأَفْسَدَهُ ، وَذَكَرَ مَكَّةَ وَالْحِجْرَ وَأَنَّ هُنَاكَ بَسَاتِينُ ، وَخَبْطٌ فِي مَوَاضِعَ . وَرَوَى مِنْهُ أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ .
وَرَوَاهُ الْمُبَارَكُ أَخُو الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ ، فَقَالَ : عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، عَنْ سَلْمَانَ ، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا : كُنْتُ مِنْ أَهْلِ جَيَّ . وَقَالَ الْفِرْيَابِيُّ وَغَيْرُهُ : عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ سَلْمَانَ ، قَالَ : كُنْتُ رَجُلًا مِنْ رَامَهُرْمُزَ . وَالْفَارِسِيَّةُ سَمَّاهَا ابْنُ مَنْدَهْ : أَمَةَ اللَّهِ .
الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ " : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ الْمَكِّيُّ ، حَدَّثَنَا قَيْسُ ابْنُ حَفْصٍ الدَّارِمِيُّ ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ 535 سِمَاكِ بْنِ حَرْبِ ، عَنْ سَلَامَةَ الْعَجْلِيِّ قَالَ : جَاءَ ابْنُ أُخْتٍ لِي مِنَ الْبَادِيَةِ يُقَالُ لَهُ : قُدَامَةُ ، فَقَالَ : أُحِبُّ أَنْ أَلْقَى سَلْمَانَ : فَخَرَجْنَا إِلَيْهِ ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ ، وَجَدْنَاهُ بِالْمَدَائِنِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفًا ، وَوَجَدْنَاهُ عَلَى سَرِيرٍ لِيفٍ يُسِفُّ خُوصًا . فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، هَذَا ابْنُ أُخْتٍ لِي قَدِمَ ، فَأَحَبَّ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْكَ . قَالَ : وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ . قُلْتُ : يَزْعُمُ أَنَّهُ يُحِبُّكَ . قَالَ : أَحَبَّهُ اللَّهُ .
فَتَحَدَّثْنَا وَقُلْنَا : أَلَّا تُحَدِّثُنَا عَنْ أَصْلِكَ ؟ قَالَ : أَنَا مِنْ أَهْلِ رَامَهُرْمُزَ ، كُنَّا قَوْمًا مَجُوسًا ، فَأَتَانِي نَصْرَانِيٌّ مِنَ الْجَزِيرَةِ كَانَتْ أُمُّهُ مِنَّا ، فَنَزَلَ فِينَا وَاتَّخَذَ دَيْرًا ، وَكُنْتُ فِي مَكْتَبِ الْفَارِسِيَّةِ ، فَكَانَ لَا يَزَالُ غُلَامٌ مَعِي فِي الْكُتَّابِ يَجِيءُ مَضْرُوبًا يَبْكِي ، فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا : مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ : يَضْرِبُنِي أَبَوَايَ . قُلْتُ : وَلِمَ ؟ قَالَ : آتِي هَذَا الدَّيْرَ ، فَإِذَا عَلِمَا ذَلِكَ ، ضَرَبَانِي ، وَأَنْتَ لَوْ أَتَيْتَهُ سَمِعْتَ مِنْهُ حَدِيثًا عَجَبًا . قُلْتُ : فَاذْهَبْ بِي مَعَكَ . فَأَتَيْنَاهُ ، فَحَدَّثَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ ، وَعَنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ .
وَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ مَعَهُ ، فَفَطِنَ لَنَا غِلْمَانٌ مِنَ الْكُتَّابِ ، فَجَعَلُوا يَجِيئُونَ مَعَنَا ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ قَالُوا لَهُ : يَا هَنَاةُ إِنَّكَ قَدْ جَاوَرْتَنَا فَلَمْ تَرَ مِنَّا إِلَّا الْحُسْنَ ، وَإِنَّا نَرَى غِلْمَانَنَا يَخْتَلِفُونَ إِلَيْكَ ، وَنَحْنُ نَخَافُ أَنْ تُفْسِدَهُمُ ، اخْرُجْ عَنَّا . قَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ لِذَلِكَ الْغُلَامِ : اخْرُجْ مَعِي . قَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ ، قَدْ عَلِمْتُ شِدَّةَ أَبَوَيَّ عَلَيَّ .
قُلْتُ : أَنَا أَخْرُجُ مَعَكَ - وَكُنْتُ يَتِيمًا لَا أَبَ لِي - فَخَرَجْتُ ، فَأَخَذْنَا جَبَلَ رَامَهُرْمُزَ نَمْشِي وَنَتَوَكَّلُ ، وَنَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِ الشَّجَرِ ، حَتَّى قَدِمْنَا الْجَزِيرَةَ ، فَقَدِمْنَا نَصِيبِينَ ، فَقَالَ : هُنَا قَوْمٌ عُبَّادُ أَهْلِ الْأَرْضِ ، فَجِئْنَا إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْأَحَدِ وَقَدِ اجْتَمَعُوا ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ، فَحَيَّوْهُ ، وَبَشُّوا بِهِ وَقَالُوا : أَيْنَ كَانَتْ غَيْبَتُكَ ؟ قَالَ : كُنْتُ فِي إِخْوَانٍ لِي مِنْ قِبَلِ فَارِسَ .
ثُمَّ قَالَ صَاحِبِي : قُمْ يَا 536 سَلْمَانُ قَالَ : قُلْتُ : لَا ، دَعْنِي مَعَ هَؤُلَاءِ . قَالَ : إِنَّكَ لَا تُطِيقُ مَا يُطِيقُ هَؤُلَاءِ ، يَصُومُونَ الْأَحَدَ إِلَى الْأَحَدِ ، وَلَا يَنَامُونَ هَذَا اللَّيْلَ . وَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ تَرَكَ الْمُلْكَ ، وَدَخَلَ فِي الْعِبَادَةِ ، فَكُنْتُ فِيهِمْ حَتَّى أَمْسَيْنَا .
فَجَعَلُوا يَذْهَبُونَ وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى غَارِهِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ ، فَقَالَ لِي : يَا سَلْمَانُ ، هَذَا خُبْزٌ وَهَذَا أُدْمٌ ، كُلْ إِذَا غَرِثْتَ ، وَصُمْ إِذَا نَشِطْتَ ، وَصَلِّ مَا بَدَا لَكَ ، ثُمَّ قَامَ فِي صِلَاتِهِ ، فَلَمْ يُكَلِّمْنِي ، وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيَّ ، فَأَخَذَنِي الْغَمُّ تِلْكَ الْأَيَّامَ السَّبْعَةَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ ، فَذَهَبْنَا إِلَى مَجْمَعِهِمْ ، إِلَى أَنْ قَالَ صَاحِبِي : إِنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ . فَفَرِحْتُ ، وَقُلْتُ : نُسَافِرُ ، وَنَلْقَى النَّاسَ . فَخَرَجْنَا ، فَكَانَ يَصُومُ مِنَ الْأَحَدِ إِلَى الْأَحَدِ ، وَيُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ ، وَيَمْشِي بِالنَّهَارِ . فَلَمْ يَزَلْ ذَاكَ دَأْبَهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَعَلَى بَابِهِ مُقْعَدٌ يَسْأَلُ النَّاسَ ، فَقَالَ : أَعْطِنِي ، قَالَ : مَا مَعِي شَيْءٌ .
فَدَخَلْنَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَبَشُّوا بِهِ وَاسْتَبْشَرُوا ، فَقَالَ لَهُمْ : غُلَامِي هَذَا اسْتَوْصُوا بِهِ ، فَأَطْعَمُونِي خُبْزًا وَلَحْمًا . وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ ، فَقَالَ لِي : يَا سَلْمَانُ ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَنَامَ ، فَإِذَا بَلَغَ الظِّلُّ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا فَأَيْقِظْنِي . فَنَامَ فَلَمْ أُوقِظْهُ مَاوِيَةً لَهُ مِمَّا دَأَبَ ، فَاسْتَيْقَظَ مَذْعُورًا ، فَقَالَ : أَلَمْ أَكُنْ قُلْتُ لَكَ ؟ ثُمَّ قَالَ لِي : اعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الدِّينِ الْيَوْمَ النَّصْرَانِيَّةُ ، قُلْتُ : وَيَكُونُ بَعْدَ الْيَوْمِ دِينٌ أَفْضَلُ مِنْهُ كَلِمَةٌ أُلْقِيَتْ عَلَى لِسَانِي ؟ قَالَ : نَعَمْ يُوشِكُ أَنْ يُبْعَثَ نَبِيٌّ .
إِلَى أَنْ قَالَ : فَتَلَقَّانِي رُفْقَةٌ مِنْ كَلْبٍ فَسَبَوْنِي ، فَاشْتَرَانِي بِالْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَجَعَلَنِي فِي نَخْلٍ ، وَمِنْ ثَمَّ تَعَلَّمْتُ عَمَلَ الْخُوصِ ، أَشْتَرِي خُوصًا بِدِرْهَمٍ ، فَأَعْمَلُهُ فَأَبِيعُهُ بِدِرْهَمَيْنِ ، فَأَرُدُّ دِرْهَمًا فِي الْخُوصِ ، وَأَسْتَنْفِقُ دِرْهَمًا أُحِبُّ أَنْ كَانَ مِنْ عَمَلِ يَدِي .
۝ قَالَ : فَبَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ . قَالَ : فَهَاجَرَ إِلَيْنَا ، 537 إِلَى أَنْ قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ قَوْمٍ النَّصَارَى ؟ قَالَ : لَا خَيْرَ فِيهِمْ وَلَا فِيمَنْ يُحِبُّهُمْ .
قُلْتُ فِي نَفْسِي : أَنَا - وَاللَّهِ - أُحِبُّهُمْ . قَالَ : وَذَاكَ حِينَ بَعَثَ السَّرَايَا ، وَجَرَّدَ السَّيْفَ ، فَسَرِيَّةٌ تَدْخُلُ ، وَسَرِيَّةٌ تَخْرُجُ ، وَالسَّيْفُ يَقْطُرُ ، قُلْتُ : يُحَدِّثُ بِي أَنِّي أُحِبُّهُمْ ، فَيَبْعَثُ إِلَيَّ فَيَضْرِبُ عُنُقِي . فَقَعَدْتُ فِي الْبَيْتِ ، فَجَاءَنِي الرَّسُولُ : أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ . فَخِفْتُ ، وَقُلْتُ : اذْهَبْ حَتَّى أَلْحَقَكَ ، قَالَ : لَا - وَاللَّهِ - حَتَّى تَجِيءَ . فَانْطَلَقْتُ ، فَلَمَّا رَآنِي تَبَسَّمَ ، وَقَالَ : يَا سَلْمَانُ أَبْشِرْ ، فَقَدْ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ ، ثُمَّ تَلَا عَلَيَّ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِلَى قَوْلِهِ : لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ .
قُلْتُ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ - يَعْنِي صَاحِبَهُ - : لَوْ أَدْرَكْتُهُ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَقَعَ فِي النَّارِ ، لَوَقَعْتُ فِيهَا ، إِنَّهُ نَبِيٌّ لَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا ، وَلَا يَأْمُرُ إِلَّا بِحَقٍّ
.
غَرِيبٌ جِدًّا ، وَسَلَامَةُ لَا يُعْرَفُ .
قَالَ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ فِي " مُسْنَدِهِ " : حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، ۝ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : خَرَجْتُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إِلَى الشَّامِ . فَقَالُوا لِي : إِنَّ نَبِيًّا قَدْ ظَهَرَ بِتِهَامَةَ ، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَبَعَثْتُ إِلَيْهِ بِقُبَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، فَقَالَ : أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ ؟ قُلْتُ : صَدَقَةٌ . فَقَبَضَ يَدَهُ ، وَأَشَارَ إِلَى أَصْحَابِهِ أَنْ يَأْكُلُوا . ثُمَّ أَتْبَعْتُهُ بِقُبَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، وَقُلْتُ : هَذَا هَدِيَّةٌ ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا . فَقُمْتُ عَلَى رَأْسِهِ فَفَطِنَ ، فَقَالَ بِرِدَائِهِ عَنْ ظَهْرِهِ فَإِذَا فِي ظَهْرِهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ ، فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ ، وَتَشَهَّدْتُ . 538 إِسْنَادُهُ صَالِحٌ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith