تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ( 56 ) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ ( 57 ) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 58 ) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ( 59 ) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 60 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قَبَائِحِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ ، وَجَعَلُوا لَهَا نَصِيبًا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ فَقَالُوا : ( هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ [ بِغَيْرِ عِلْمٍ ] وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ ) [ الْأَنْعَامِ : 136 ] أَيْ : جَعَلُوا لِآلِهَتِهِمْ نَصِيبًا مَعَ اللَّهِ وَفَضَّلُوهُمْ أَيْضًا عَلَى جَانِبِهِ ، فَأَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ لَيَسْأَلَنَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي افْتَرَوْهُ ، وَائْتَفَكُوهُ ، وَلَيُقَابِلَنَّهُمْ عَلَيْهِ وَلَيُجَازِيَنَّهُمْ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، فَقَالَ : ( تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ )
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ، وَجَعَلُوهَا بَنَاتِ اللَّهِ ، وَعَبَدُوهَا مَعَهُ ، فَأَخْطَؤُوا خَطَأً كَبِيرًا فِي كُلِّ مَقَامٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ الثَّلَاثِ ، فَنَسَبُوا إِلَيْهِ تَعَالَى أَنَّ لَهُ وَلَدًا ، وَلَا وَلَدَ لَهُ ، ثُمَّ أَعْطَوْهُ أَخَسَّ الْقِسْمَيْنِ مِنَ الْأَوْلَادِ - وَهُوَ الْبَنَاتُ - وَهُمْ لَا يَرْضَوْنَهَا لِأَنْفُسِهِمْ ، كَمَا قَالَ : ( أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ) [ النَّجْمِ : 21 ، 22 ] وَقَالَ هَاهُنَا : ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ ) أَيْ : عَنْ قَوْلِهِمْ وَإِفْكِهِمْ ( أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) [ الصَّافَّاتِ : 151 - 154 ] . 578
وَقَوْلُهُ : ( وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ ) أَيْ : يَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِهِمُ الذُّكُورَ وَيَأْنَفُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْبَنَاتِ الَّتِي نَسَبُوهَا إِلَى اللَّهِ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا ، فَإِنَّهُ ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا ) أَيْ : كَئِيبًا مِنَ الْهَمِّ ، ( وَهُوَ كَظِيمٌ ) سَاكِتٌ مِنْ شِدَّةِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْحُزْنِ ، ( يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ ) أَيْ : يَكْرَهُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ ( مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ) أَيْ : إِنْ أَبْقَاهَا أَبْقَاهَا مُهَانَةً لَا يُورِّثُهَا ، وَلَا يَعْتَنِي بِهَا ، وَيُفَضِّلُ أَوْلَادَهُ الذُّكُورَ عَلَيْهَا ، ( أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ) أَيْ : يَئِدُهَا : وَهُوَ : أَنْ يَدْفِنَهَا فِيهِ حَيَّةً ، كَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، أَفَمَنْ يَكْرَهُونَهُ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ وَيَأْنَفُونَ لِأَنْفُسِهِمْ عَنْهُ يَجْعَلُونَهُ لِلَّهِ ؟ ! ( أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) أَيْ : بِئْسَ مَا قَالُوا ، وَبِئْسَ مَا قَسَمُوا ، وَبِئْسَ مَا نَسَبُوا إِلَيْهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ) [ الزُّخْرُفِ : 17 ] وَقَالَ هَاهُنَا : ( لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ) أَيِ : النَّقْصُ إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ ، ( وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى ) أَيِ : الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ ، ( وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قَبَائِحِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ ، وَجَعَلُوا لَهَا نَصِيبًا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ فَقَالُوا : ( هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ [ بِغَيْرِ عِلْمٍ ] وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ ) [ الْأَنْعَامِ : 136 ] أَيْ : جَعَلُوا لِآلِهَتِهِمْ نَصِيبًا مَعَ اللَّهِ وَفَضَّلُوهُمْ أَيْضًا عَلَى جَانِبِهِ ، فَأَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ لَيَسْأَلَنَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي افْتَرَوْهُ ، وَائْتَفَكُوهُ ، وَلَيُقَابِلَنَّهُمْ عَلَيْهِ وَلَيُجَازِيَنَّهُمْ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، فَقَالَ : ( تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ )
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ، وَجَعَلُوهَا بَنَاتِ اللَّهِ ، وَعَبَدُوهَا مَعَهُ ، فَأَخْطَؤُوا خَطَأً كَبِيرًا فِي كُلِّ مَقَامٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ الثَّلَاثِ ، فَنَسَبُوا إِلَيْهِ تَعَالَى أَنَّ لَهُ وَلَدًا ، وَلَا وَلَدَ لَهُ ، ثُمَّ أَعْطَوْهُ أَخَسَّ الْقِسْمَيْنِ مِنَ الْأَوْلَادِ - وَهُوَ الْبَنَاتُ - وَهُمْ لَا يَرْضَوْنَهَا لِأَنْفُسِهِمْ ، كَمَا قَالَ : ( أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ) [ النَّجْمِ : 21 ، 22 ] وَقَالَ هَاهُنَا : ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ ) أَيْ : عَنْ قَوْلِهِمْ وَإِفْكِهِمْ ( أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) [ الصَّافَّاتِ : 151 - 154 ] . 578
وَقَوْلُهُ : ( وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ ) أَيْ : يَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِهِمُ الذُّكُورَ وَيَأْنَفُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْبَنَاتِ الَّتِي نَسَبُوهَا إِلَى اللَّهِ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا ، فَإِنَّهُ ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا ) أَيْ : كَئِيبًا مِنَ الْهَمِّ ، ( وَهُوَ كَظِيمٌ ) سَاكِتٌ مِنْ شِدَّةِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْحُزْنِ ، ( يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ ) أَيْ : يَكْرَهُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ ( مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ) أَيْ : إِنْ أَبْقَاهَا أَبْقَاهَا مُهَانَةً لَا يُورِّثُهَا ، وَلَا يَعْتَنِي بِهَا ، وَيُفَضِّلُ أَوْلَادَهُ الذُّكُورَ عَلَيْهَا ، ( أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ) أَيْ : يَئِدُهَا : وَهُوَ : أَنْ يَدْفِنَهَا فِيهِ حَيَّةً ، كَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، أَفَمَنْ يَكْرَهُونَهُ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ وَيَأْنَفُونَ لِأَنْفُسِهِمْ عَنْهُ يَجْعَلُونَهُ لِلَّهِ ؟ ! ( أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) أَيْ : بِئْسَ مَا قَالُوا ، وَبِئْسَ مَا قَسَمُوا ، وَبِئْسَ مَا نَسَبُوا إِلَيْهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ) [ الزُّخْرُفِ : 17 ] وَقَالَ هَاهُنَا : ( لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ) أَيِ : النَّقْصُ إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ ، ( وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى ) أَيِ : الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ ، ( وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith