تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير
page 853
( ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ( 102 ) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ( 103 ) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ( 104 ) )
يَقُولُ تَعَالَى لِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، لَمَّا قَصَّ عَلَيْهِ نَبَأَ إِخْوَةِ يُوسُفَ ، وَكَيْفَ رَفَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَجَعَلَ لَهُ الْعَاقِبَةَ وَالنَّصْرَ وَالْمُلْكَ وَالْحُكْمَ ، مَعَ مَا أَرَادُوا بِهِ مِنَ السُّوءِ وَالْهَلَاكِ وَالْإِعْدَامِ : هَذَا وَأَمْثَالُهُ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أَخْبَارِ الْغُيُوبِ السَّابِقَةِ ، ( نُوحِيهِ إِلَيْكَ ) وَنُعْلِمُكَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْعِبْرَةِ لَكَ وَالِاتِّعَاظِ لِمَنْ خَالَفَكَ ، ( وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ ) حَاضِرًا عِنْدَهُمْ وَلَا مُشَاهِدًا لَهُمْ ( إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ ) أَيْ : عَلَى إِلْقَائِهِ فِي الْجُبِّ ، ( وَهُمْ يَمْكُرُونَ ) بِهِ ، وَلَكِنَّا أَعْلَمْنَاكَ بِهِ وَحْيًّا إِلَيْكَ ، وَإِنْزَالًا عَلَيْكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 44 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) [ الْقَصَصِ : 44 ] إِلَى أَنْ قَالَ : ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) [ الْقَصَصِ : 46 ] وَقَالَ ( وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) [ الْقَصَصِ : 45 ] وَقَالَ ( مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) [ ص : 69 ، 70 ]
يُقَرِّرُ تَعَالَى أَنَّهُ رَسُولُهُ ، وَأَنَّهُ قَدْ أَطْلَعَهُ عَلَى أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ مِمَّا فِيهِ عِبْرَةٌ لِلنَّاسِ وَنَجَاةٌ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ; وَمَعَ هَذَا مَا آمَنَ أَكْثَرُ النَّاسِ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) وَقَالَ ( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) [ الْأَنْعَامِ : 116 ] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ) أَيْ : وَمَا تَسْأَلُهُمْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى هَذَا النُّصْحِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْخَيْرِ وَالرُّشْدِ مَنْ أَجْرٍ ، أَيْ : مِنْ جُعَالَةٍ وَلَا أُجْرَةٍ عَلَى ذَلِكَ ، بَلْ تَفْعَلُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ، وَنُصْحًا لِخَلْقِهِ .
( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ) أَيْ : يَتَذَكَّرُونَ بِهِ وَيَهْتَدُونَ ، وَيَنْجُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith