تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ( 69 ) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ( 70 ) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ( 71 ) قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ( 72 ) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ( 73 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : ( وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا ) وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى ، قِيلَ : تُبَشِّرُهُ بِإِسْحَاقَ ، وَقِيلَ : بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ . وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ) [ هُودٍ : 74 ] ، ( قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ ) أَيْ : عَلَيْكُمْ .
قَالَ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ : هَذَا أَحْسُنُ مِمَّا حَيَّوْهُ بِهِ; لِأَنَّ الرَّفْعَ يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ وَالدَّوَامِ .
( فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ) أَيْ : ذَهَبَ سَرِيعًا ، فَأَتَاهُمْ بِالضِّيَافَةِ ، وَهُوَ عَجَلٌ : فَتَى الْبَقَرِ ، 333 حَنِيذٍ : [ وَهُوَ ] مَشْوِيٌّ [ شَيًّا نَاضِجًا ] عَلَى الرَّضْفِ ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ .
هَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ وَمُجَاهِدٍ ] وَقَتَادَةَ [ وَالضَّحَّاكِ ، وَالسُّدِّيِّ ] وَغَيْرِ وَاحِدٍ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ) [ الذَّارِيَاتِ : 26 ، 27 ] .
وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ آدَابَ الضِّيَافَةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ .
وَقَوْلُهُ : ( فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ ) تَنَكَّرَهُمْ ، ( وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ) وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا هِمَّةَ لَهُمْ إِلَى الطَّعَامِ وَلَا يَشْتَهُونَهُ وَلَا يَأْكُلُونَهُ; فَلِهَذَا رَأَى حَالَهُمْ مُعْرِضِينَ عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ ، فَارِغِينَ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ نَكِرَهُمْ ، ( وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ) .
قَالَ السُّدِّيُّ : لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ لِقَوْمِ لُوطٍ أَقْبَلَتْ تَمْشِي فِي صُوَرِ رِجَالٍ شُبَّانٍ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَتَضَيَّفُوهُ ، فَلَمَّا رَآهُمْ [ إِبْرَاهِيمُ ] أَجَلَّهُمْ ، ( فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ) فَذَبَحَهُ ثُمَّ شَوَاهُ فِي الرَّضْفِ . [ فَهُوَ الْحَنِيدُ حِينَ شَوَاهُ ] وَأَتَاهُمْ بِهِ فَقَعَدَ مَعَهُمْ ، وَقَامَتْ سَارَّةُ تَخْدِمُهُمْ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ : " وَاِمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ وَهُوَ جَالِسٌ " فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : " فَلَمَّا قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ قَالُوا : يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا لَا نَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا بِثَمَنٍ . قَالَ فَإِنَّ لِهَذَا ثَمَنًا . قَالُوا وَمَا ثَمَنُهُ ؟ قَالَ : تَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ ، وَتَحْمَدُونَهُ عَلَى آخِرِهِ فَنَظَرَ جِبْرِيلُ إِلَى مِيكَائِيلَ فَقَالَ : حُقَّ لِهَذَا أَنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا " ، ( فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ ) يَقُولُ : فَلَمَّا رَآهُمْ لَا يَأْكُلُونَ فَزِعَ مِنْهُمْ ، وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَارَّةُ أَنَّهُ قَدْ أَكْرَمَهُمْ وَقَامَتْ هِيَ تَخْدِمُهُمْ ، ضَحِكَتْ وَقَالَتْ : عَجَبًا لِأَضْيَافِنَا هَؤُلَاءِ ، [ إِنَّا ] نَخْدِمُهُمْ بِأَنْفُسِنَا كَرَامَةً لَهُمْ ، وَهُمْ لَا يَأْكُلُونَ طَعَامَنَا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، [ حَدَّثَنَا ] نُوحُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مِحْصَنٍ فِي ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانُوا أَرْبَعَةً : جِبْرِيلُ ، وَمِيكَائِيلُ ، وَإِسْرَافِيلُ ، وَرَفَائِيلُ . قَالَ نُوحُ بْنُ قَيْسٍ : فَزَعَمَ نُوحُ بْنُ أَبِي شَدَّادٍ أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، فَقَرَّبَ إِلَيْهِمُ الْعِجْلَ ، مَسَحَهُ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ ، فَقَامَ يَدْرُجُ حَتَّى لَحِقَ بِأُمِّهِ ، وَأُمُّ الْعِجْلِ فِي الدَّارِ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ : ( قَالُوا لَا تَخَفْ ) [ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَاِمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ ] ) أَيْ قَالُوا : لَا تَخَفْ مِنَّا ، إِنَّا مَلَائِكَةٌ أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ لِنُهْلِكَهُمْ . فَضَحِكَتْ سَارَّةُ اسْتِبْشَارًا [ مِنْهَا ] بِهَلَاكِهِمْ ، لِكَثْرَةِ فَسَادِهِمْ ، وَغِلَظِ كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ ، فَلِهَذَا جُوزِيَتْ بِالْبِشَارَةِ 334 بِالْوَلَدِ بَعْدَ الْإِيَاسِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ضَحِكَتْ [ امْرَأَتُهُ ] وَعَجِبَتْ [ مِنْ ] أَنَّ قَوْمًا يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ [ فَضَحِكَتْ مِنْ ذَلِكَ وَعَجِبَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَضَحِكَتْ ) أَيْ : حَاضَتْ .
وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ : إِنَّهَا إِنَّمَا ضَحِكَتْ مِنْ أَنَّهَا ظَنَّتْ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَعْمَلُوا كَمَا يَعْمَلُ قَوْمُ لُوطٍ ، وَقَوْلُ الْكَلْبِيِّ إِنَّهَا إِنَّمَا ضَحِكَتْ لِمَا رَأَتْ مِنَ الرَّوْعِ بِإِبْرَاهِيمَ . ضَعِيفَانِ جِدًّا ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ جَرِيرٍ قَدْ رَوَاهُمَا بِسَنَدِهِ إِلَيْهِمَا ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : إِنَّمَا ضَحِكَتْ لَمَّا بُشِّرَتْ بِإِسْحَاقَ . وَهَذَا مُخَالِفٌ لِهَذَا السِّيَاقِ ، فَإِنَّ الْبِشَارَةَ صَرِيحَةٌ مُرَتَّبَةٌ عَلَى .
( فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) أَيْ : بِوَلَدٍ لَهَا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَعَقِبٌ وَنَسْلٌ; فَإِنَّ يَعْقُوبَ وَلَدُ إِسْحَاقَ ، كَمَا قَالَ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ : ( أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) [ الْبَقَرَةِ : 133 ] .
وَمِنْ هَاهُنَا اسْتَدَلَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِنَّمَا هُوَ إِسْمَاعِيلُ ، وَأَنَّهُ يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ إِسْحَاقُ; لِأَنَّهُ وَقَعَتِ الْبِشَارَةُ بِهِ ، وَأَنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ يَعْقُوبُ ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ إِبْرَاهِيمُ بِذَبْحِهِ وَهُوَ طِفْلٌ صَغِيرٌ ، وَلَمْ يُولَدْ لَهُ بَعْدُ يَعْقُوبُ الْمَوْعُودُ بِوُجُودِهِ . وَوَعْدُ اللَّهِ حَقٌّ لَا خُلْفَ فِيهِ ، فَيُمْتَنَعُ أَنَّ يُؤْمَرَ بِذَبْحِ هَذَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ ، فَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ إِسْمَاعِيلُ وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الِاسْتِدْلَالِ وَأَصَحِّهِ وَأَبْيَنِهِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
( قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا [ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ] ) حَكَى قَوْلَهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، كَمَا حَكَى فِعْلَهَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ، فَإِنَّهَا : ( قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ) وَفِي الذَّارِيَاتِ : ( فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ) [ الذَّارِيَاتِ : 29 ] ، كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النِّسَاءُ فِي أَقْوَالِهِنَّ وَأَفْعَالِهِنَّ عِنْدَ التَّعَجُّبِ . ( قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ) أَيْ : قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهَا ، لَا تَعْجَبِي مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ : " كُنْ " فَيَكُونُ ، فَلَا تَعْجَبِي مِنْ هَذَا ، وَإِنْ كُنْتِ عَجُوزًا [ كَبِيرَةً ] عَقِيمًا ، وَبَعْلُكِ [ وَهُوَ زَوْجُهَا الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَإِنْ كَانَ ] شَيْخًا كَبِيرًا ، فَإِنَّ اللَّهَ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ . 335
( رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ) أَيْ : هُوَ الْحَمِيدُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ مَحْمُودٌ ، مُمَجَّدٌ فِي صِفَاتِهِ وَذَاتِهِ; وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُمْ قَالُوا : قَدْ عَلِمْنَا السَّلَامَ عَلَيْكَ ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : قُولُوا : " اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى [ إِبْرَاهِيمَ وَ ] آلِ إِبْرَاهِيمَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ " .
يَقُولُ تَعَالَى : ( وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا ) وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى ، قِيلَ : تُبَشِّرُهُ بِإِسْحَاقَ ، وَقِيلَ : بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ . وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ) [ هُودٍ : 74 ] ، ( قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ ) أَيْ : عَلَيْكُمْ .
قَالَ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ : هَذَا أَحْسُنُ مِمَّا حَيَّوْهُ بِهِ; لِأَنَّ الرَّفْعَ يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ وَالدَّوَامِ .
( فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ) أَيْ : ذَهَبَ سَرِيعًا ، فَأَتَاهُمْ بِالضِّيَافَةِ ، وَهُوَ عَجَلٌ : فَتَى الْبَقَرِ ، 333 حَنِيذٍ : [ وَهُوَ ] مَشْوِيٌّ [ شَيًّا نَاضِجًا ] عَلَى الرَّضْفِ ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ .
هَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ وَمُجَاهِدٍ ] وَقَتَادَةَ [ وَالضَّحَّاكِ ، وَالسُّدِّيِّ ] وَغَيْرِ وَاحِدٍ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ) [ الذَّارِيَاتِ : 26 ، 27 ] .
وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ آدَابَ الضِّيَافَةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ .
وَقَوْلُهُ : ( فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ ) تَنَكَّرَهُمْ ، ( وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ) وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا هِمَّةَ لَهُمْ إِلَى الطَّعَامِ وَلَا يَشْتَهُونَهُ وَلَا يَأْكُلُونَهُ; فَلِهَذَا رَأَى حَالَهُمْ مُعْرِضِينَ عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ ، فَارِغِينَ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ نَكِرَهُمْ ، ( وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ) .
قَالَ السُّدِّيُّ : لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ لِقَوْمِ لُوطٍ أَقْبَلَتْ تَمْشِي فِي صُوَرِ رِجَالٍ شُبَّانٍ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَتَضَيَّفُوهُ ، فَلَمَّا رَآهُمْ [ إِبْرَاهِيمُ ] أَجَلَّهُمْ ، ( فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ) فَذَبَحَهُ ثُمَّ شَوَاهُ فِي الرَّضْفِ . [ فَهُوَ الْحَنِيدُ حِينَ شَوَاهُ ] وَأَتَاهُمْ بِهِ فَقَعَدَ مَعَهُمْ ، وَقَامَتْ سَارَّةُ تَخْدِمُهُمْ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ : " وَاِمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ وَهُوَ جَالِسٌ " فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : " فَلَمَّا قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ قَالُوا : يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا لَا نَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا بِثَمَنٍ . قَالَ فَإِنَّ لِهَذَا ثَمَنًا . قَالُوا وَمَا ثَمَنُهُ ؟ قَالَ : تَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ ، وَتَحْمَدُونَهُ عَلَى آخِرِهِ فَنَظَرَ جِبْرِيلُ إِلَى مِيكَائِيلَ فَقَالَ : حُقَّ لِهَذَا أَنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا " ، ( فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ ) يَقُولُ : فَلَمَّا رَآهُمْ لَا يَأْكُلُونَ فَزِعَ مِنْهُمْ ، وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَارَّةُ أَنَّهُ قَدْ أَكْرَمَهُمْ وَقَامَتْ هِيَ تَخْدِمُهُمْ ، ضَحِكَتْ وَقَالَتْ : عَجَبًا لِأَضْيَافِنَا هَؤُلَاءِ ، [ إِنَّا ] نَخْدِمُهُمْ بِأَنْفُسِنَا كَرَامَةً لَهُمْ ، وَهُمْ لَا يَأْكُلُونَ طَعَامَنَا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، [ حَدَّثَنَا ] نُوحُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مِحْصَنٍ فِي ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانُوا أَرْبَعَةً : جِبْرِيلُ ، وَمِيكَائِيلُ ، وَإِسْرَافِيلُ ، وَرَفَائِيلُ . قَالَ نُوحُ بْنُ قَيْسٍ : فَزَعَمَ نُوحُ بْنُ أَبِي شَدَّادٍ أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، فَقَرَّبَ إِلَيْهِمُ الْعِجْلَ ، مَسَحَهُ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ ، فَقَامَ يَدْرُجُ حَتَّى لَحِقَ بِأُمِّهِ ، وَأُمُّ الْعِجْلِ فِي الدَّارِ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ : ( قَالُوا لَا تَخَفْ ) [ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَاِمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ ] ) أَيْ قَالُوا : لَا تَخَفْ مِنَّا ، إِنَّا مَلَائِكَةٌ أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ لِنُهْلِكَهُمْ . فَضَحِكَتْ سَارَّةُ اسْتِبْشَارًا [ مِنْهَا ] بِهَلَاكِهِمْ ، لِكَثْرَةِ فَسَادِهِمْ ، وَغِلَظِ كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ ، فَلِهَذَا جُوزِيَتْ بِالْبِشَارَةِ 334 بِالْوَلَدِ بَعْدَ الْإِيَاسِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ضَحِكَتْ [ امْرَأَتُهُ ] وَعَجِبَتْ [ مِنْ ] أَنَّ قَوْمًا يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ [ فَضَحِكَتْ مِنْ ذَلِكَ وَعَجِبَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَضَحِكَتْ ) أَيْ : حَاضَتْ .
وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ : إِنَّهَا إِنَّمَا ضَحِكَتْ مِنْ أَنَّهَا ظَنَّتْ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَعْمَلُوا كَمَا يَعْمَلُ قَوْمُ لُوطٍ ، وَقَوْلُ الْكَلْبِيِّ إِنَّهَا إِنَّمَا ضَحِكَتْ لِمَا رَأَتْ مِنَ الرَّوْعِ بِإِبْرَاهِيمَ . ضَعِيفَانِ جِدًّا ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ جَرِيرٍ قَدْ رَوَاهُمَا بِسَنَدِهِ إِلَيْهِمَا ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : إِنَّمَا ضَحِكَتْ لَمَّا بُشِّرَتْ بِإِسْحَاقَ . وَهَذَا مُخَالِفٌ لِهَذَا السِّيَاقِ ، فَإِنَّ الْبِشَارَةَ صَرِيحَةٌ مُرَتَّبَةٌ عَلَى .
( فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) أَيْ : بِوَلَدٍ لَهَا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَعَقِبٌ وَنَسْلٌ; فَإِنَّ يَعْقُوبَ وَلَدُ إِسْحَاقَ ، كَمَا قَالَ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ : ( أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) [ الْبَقَرَةِ : 133 ] .
وَمِنْ هَاهُنَا اسْتَدَلَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِنَّمَا هُوَ إِسْمَاعِيلُ ، وَأَنَّهُ يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ إِسْحَاقُ; لِأَنَّهُ وَقَعَتِ الْبِشَارَةُ بِهِ ، وَأَنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ يَعْقُوبُ ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ إِبْرَاهِيمُ بِذَبْحِهِ وَهُوَ طِفْلٌ صَغِيرٌ ، وَلَمْ يُولَدْ لَهُ بَعْدُ يَعْقُوبُ الْمَوْعُودُ بِوُجُودِهِ . وَوَعْدُ اللَّهِ حَقٌّ لَا خُلْفَ فِيهِ ، فَيُمْتَنَعُ أَنَّ يُؤْمَرَ بِذَبْحِ هَذَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ ، فَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ إِسْمَاعِيلُ وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الِاسْتِدْلَالِ وَأَصَحِّهِ وَأَبْيَنِهِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
( قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا [ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ] ) حَكَى قَوْلَهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، كَمَا حَكَى فِعْلَهَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ، فَإِنَّهَا : ( قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ) وَفِي الذَّارِيَاتِ : ( فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ) [ الذَّارِيَاتِ : 29 ] ، كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النِّسَاءُ فِي أَقْوَالِهِنَّ وَأَفْعَالِهِنَّ عِنْدَ التَّعَجُّبِ . ( قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ) أَيْ : قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهَا ، لَا تَعْجَبِي مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ : " كُنْ " فَيَكُونُ ، فَلَا تَعْجَبِي مِنْ هَذَا ، وَإِنْ كُنْتِ عَجُوزًا [ كَبِيرَةً ] عَقِيمًا ، وَبَعْلُكِ [ وَهُوَ زَوْجُهَا الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَإِنْ كَانَ ] شَيْخًا كَبِيرًا ، فَإِنَّ اللَّهَ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ . 335
( رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ) أَيْ : هُوَ الْحَمِيدُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ مَحْمُودٌ ، مُمَجَّدٌ فِي صِفَاتِهِ وَذَاتِهِ; وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُمْ قَالُوا : قَدْ عَلِمْنَا السَّلَامَ عَلَيْكَ ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : قُولُوا : " اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى [ إِبْرَاهِيمَ وَ ] آلِ إِبْرَاهِيمَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ " .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith